وراء الأضواء… حين تُخفي الملاعب جراح الجبال وتفيض الأودية في المدن

ما كشفته New York Times عن أوضاع الحوز لا يمكن التعامل معه كتقرير إنساني عابر أو مادة إعلامية ظرفية، بل كتنبيه دولي صريح إلى خلل عميق في ترتيب أولويات الدولة المغربية. نحن أمام مفارقة صارت بنيوية: بلد يُظهر قدرة عالية على تنظيم التظاهرات الكبرى وتسويق صورته الخارجية، لكنه يتعثر في معالجة جراح داخلية ما تزال مفتوحة، سواء في الجبال أو داخل المدن. في الوقت الذي تُعبّأ فيه كل الإمكانيات لإنجاح كأس إفريقيا، ما تزال قرى الأطلس، وعلى رأسها أسني، تعيش خارج هذا الزمن الرسمي. الزلزال الذي ضرب الحوز في شتنبر 2023 لم يتحول بعدُ إلى ملف مُغلق، بل إلى واقع يومي من الانتظار والهشاشة والإحباط. أكثر من 95 في المائة من المباني دُمّرت، والبيوت التي كانت امتدادًا لذاكرة جماعية أمازيغية عريقة استُبدلت بهياكل إسمنتية مؤقتة، لا تراعي الخصوصية الثقافية ولا شروط العيش الكريم. لكن الجبال ليست وحدها من تُركت لمصيرها. ما وقع في آسفي خلال فيضانات 14 دجنبر كشف أن منطق الإهمال لا يميز بين الهامش والمركز. وادي الشعبة، المعروف تاريخيًا ومجاليًا، تحوّل إلى مصدر خطر داخل مدينة قائمة، لا بسبب قوة الطبيعة وحدها، بل بسبب تراكم سنوات من التساهل، وغياب الصيانة، والتغاضي عن اختناقات عمرانية كان يفترض منعها قبل أن تتحول إلى كارثة. هنا أيضًا، لم يكن الفيضان مفاجئًا، بل كانت المفاجأة في غياب الوقاية، وفي تدخل السلطات بعد فوات الأوان. نحن، في حركة جيل 212، نعتبر أن المسؤولية السياسية عن هذا الوضع واضحة ولا تقبل التمييع. الحكومة تتحمل مسؤولية غياب سياسة وقائية حقيقية، سواء في إعادة إعمار مناطق الزلزال أو في حماية المدن من أخطار الفيضانات. وزارة الداخلية مسؤولة عن ضعف التنسيق الترابي، وعن ترك الأسر في الحوز وآسفي رهينة مساطر معقدة وتدخلات ظرفية. وزارة إعداد التراب الوطني والإسكان مسؤولة عن نموذج تعمير يُراكم المخاطر بدل تفاديها، سواء في المجال الجبلي أو داخل المدن الساحلية. والسلطات الترابية، من ولاة وعمال، مسؤولة عن الاكتفاء بالبلاغات والزيارات بعد الكوارث، بدل فرض قرارات استباقية تحمي الأرواح. ما يجمع بين الحوز وآسفي ليس الجغرافيا، بل منطق التدبير. في الحالتين، لم تكن الكارثة طبيعية فقط، بل نتيجة مباشرة لاختيارات بشرية: تأخير، تساهل، وتطبيع مع الخطر. حين يُترك وادٍ يختنق داخل مدينة، أو تُترك قرى مدمرة في انتظار طويل، فإن الدولة لا تُخطئ تقنيًا فقط، بل تُخفق سياسيًا وأخلاقيًا. حين يشعر المواطنون بأن الدعم العمومي لا يُوزَّع بعدالة، وأن التحقيقات تُفتح بعد الفاجعة لا قبلها، وأن المسؤوليات تذوب في لغة “الظروف الاستثنائية”، فإن الغضب يتحول إلى صمت ثقيل. الإعمار في الحوز، كما الوقاية في آسفي، يفقدان معناهُما حين يُدارا بمنطق ردّ الفعل لا بمنطق حماية الحياة. الأخطر أن الأثر النفسي والاجتماعي لهذه الكوارث، سواء في الجبال أو المدن، ما زال خارج أي سياسة عمومية واضحة. أطفال الحوز الذين يعيشون الخوف الدائم، وسكان آسفي الذين رأوا المياه تجتاح أحياءهم، يشتركون في الإحساس نفسه: أن السلامة ليست أولوية، وأن الدولة تتحرك حين تُحرجها الصور لا حين تُنذرها الوقائع. إن النقاش حول الإنفاق على الملاعب مقابل حاجيات المناطق المنكوبة والمدن المهددة ليس تشويشًا ولا شعبوية، بل سؤال سياسي مشروع حول العدالة الترابية والحق في الأمان. سرعة إنجاز الملاعب تقابلها بطء فاضح في إعادة الإعمار، وتأخر مقلق في حماية المدن من أخطار معروفة ومتكررة. إن أخطر ما نواجهه اليوم هو تطبيع هذا الوضع: زلزال يُدار بالوعود، وفيضان يُدار بالتحقيقات، بينما يُطلب من المواطنين الصبر باسم “المصلحة الوطنية”. هذا المنطق يُقسّم المغاربة إلى من يُحتفى بهم في الصور، ومن يُتركون لمواجهة الخطر وحدهم. نؤكد، من موقعنا، أن البطولة ستنتهي وستُطفأ الأضواء، لكن أسئلة الحوز وآسفي ستبقى مطروحة. إعادة الإعمار والوقاية ليستا وعودًا ظرفية، بل التزامًا أخلاقيًا ودستوريًا. وأي دولة لا تحمي مواطنيها من الزلزال ومن الفيضان، تُراكم عجزًا لا تُغطيه الصور ولا الملاعب. وراء كل احتفال كبير، هناك مسؤوليات لا يمكن دفنها تحت العشب الأخضر. وما لم تتحمل الحكومة والسلطات الترابية مسؤوليتها الكاملة، وتحوّل حماية الأرواح—في الجبال والمدن—إلى أولوية وطنية عاجلة، ستظل كل فرحة رسمية منقوصة، وكل صورة مشرقة محاطة بحقيقة ثقيلة: أن الكوارث تتكرر، لأن الإهمال يتكرر، ولأن العدالة الترابية لم تتحقق بعد.

