الافتتاحية

الأحزاب المغربية في مواجهة جيل 212: سجلّ الصمت، وسابقة التواطؤ، وخطاب الإنكار

لم يعد مقبولًا، سياسيًا ولا أخلاقيًا، أن تختبئ الأحزاب المغربية وراء عبارة “أزمة تواصل مع الناخبين”، وكأن ما يجري مجرد خلل في التسويق السياسي. ما نعيشه اليوم هو انهيار في الوظيفة التمثيلية للأحزاب، وانكشاف كامل لعجزها عن الدفاع عن المجتمع حين يتعرض للقمع، وعن الشباب حين يحتج، وعن السياسة حين تُفرَّغ من معناها. احتجاجات جيل 212 لم تفضح الدولة فقط، بل فضحت الأحزاب قبلها.

لنبدأ بـ حزب العدالة والتنمية، الحزب الذي حكم عشر سنوات باسم “الإصلاح في ظل الاستقرار”. هذا الحزب راكم خلال ولايتين كاملتين خطابًا أخلاقيًا حول الديمقراطية ومحاربة التحكم، لكنه حين كان في السلطة صادق على قوانين توسّع من منطق الزجر، وضيّق هامش الاحتجاج، وشرعن عمليًا استعمال القضاء في ملفات الرأي. اليوم، وهو في المعارضة، يختار الصمت. لا نسمع له موقفًا واضحًا ضد اعتقال نشطاء شباب، ولا بيانًا صريحًا ضد تجريم الاحتجاج. الحزب الذي كان يملأ الساحات خطابةً حين كان خارج السلطة، يكتفي اليوم بتدوينات محتشمة، وكأن الدفاع عن الحرية لم يعد أولوية بعد الخروج من الحكومة.

أما التجمع الوطني للأحرار، حزب السلطة الحالي، فمشكلته ليست الصمت بل الخطاب. خطاب تقني، إداري، بارد، يختزل السياسة في “النجاعة” و“المؤشرات”. حين اندلعت احتجاجات الشباب، لم نسمع من قيادته سوى حديث عن “الفوضى” و“التشويش” وضرورة احترام القانون. لم يُطرح سؤال: لماذا يحتج الشباب؟ لم يُفتح نقاش حول الغلاء، البطالة، انسداد الأفق. الحزب يتعامل مع الشارع كخلل يجب احتواؤه، لا كرسالة يجب فهمها. وهذا ليس فشل تواصل، بل اختيار سياسي واعٍ: إدارة الغضب بدل تمثيله.

حزب الاستقلال، الذي يقدّم نفسه كحزب تاريخي ووطني، يعيش اليوم تناقضًا صارخًا بين خطابه وممارسته. يتحدث عن الدولة الاجتماعية، وعن الإنصاف المجالي، لكنه يصمت حين يُعتقل شباب بسبب الاحتجاج أو التعبير. الحزب الذي يفترض أن يكون صلة وصل بين المجتمع والدولة، اختار الاصطفاف داخل الأغلبية دون أي كلفة سياسية، حتى لو كان الثمن هو السكوت عن انتهاك الحريات. الوطنية هنا تُختزل في دعم الاستقرار، لا في الدفاع عن المواطن.

أما الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فقصته أكثر إيلامًا. حزب كان عنوانًا للنضال، وللسجن، وللمواجهة مع السلطة، أصبح اليوم ظلًّا باهتًا لتاريخه. حين يُحاكم نشطاء شباب، وحين تُضيّق حرية التعبير، لا نسمع سوى بيانات عامة بلا أثر. الحزب الذي دفع مناضلوه ثمن الحرية في الماضي، لم يعد مستعدًا لدفع أي ثمن اليوم. هذا ليس تطورًا، بل انكسار سياسي كامل.

حتى الأحزاب التي تصف نفسها بالمعارضة، لم تجرؤ على تحويل ملف الاعتقالات ومحاكمات النشطاء إلى معركة سياسية حقيقية. لم نرَ ملتمسات مساءلة قوية، ولا انسحابات احتجاجية، ولا تعبئة ميدانية. الجميع ينتظر الانتخابات، وكأن الحرية ملف ثانوي يمكن تأجيله. هذا الانتظار هو بالضبط ما دفع الشباب إلى الشارع خارج الأحزاب.

جيل 212 لم يخرج لأنه لا يفهم السياسة، بل لأنه فهمها جيدًا. فهم أن الأحزاب، كما هي اليوم، عاجزة عن تمثيله. فهم أن الصندوق لا يحمي المحتج، وأن الحزب لا يدافع عن المعتقل، وأن الخطاب الديمقراطي يتبخر عند أول اختبار. لذلك اختار الشارع، ثم وجد نفسه أمام الشرطة، ثم أمام القضاء، بينما الأحزاب تراقب المشهد من بعيد.

حين يُعتقل نشطاء مثل نزهة مجدي، شفيق الهجري، سعيدة العلمي، وغيرهم، ولا تتحول قضاياهم إلى معارك حزبية مركزية، فهذا يعني أن الأحزاب تخلّت عمليًا عن دورها. الحزب الذي لا يدافع عن حرية التعبير، لا يملك أي شرعية للحديث عن المشاركة السياسية. والحزب الذي يصمت أمام القمع، شريك في إنتاج العزوف، لا ضحية له.

ما نعيشه اليوم ليس عزوفًا عن السياسة، بل رفضًا للأحزاب. رفضًا لمؤسسات لم تعد تحمي من يفترض أنها تمثلهم. رفضًا لوساطة سياسية تحوّلت إلى إدارة للصمت. الشباب لا يهربون من السياسة، بل يبحثون عنها في مكان آخر، لأنهم لم يعودوا يجدونها داخل الأحزاب.

الانتخابات المقبلة لن تكون لحظة استعادة ثقة، بل لحظة محاسبة صامتة. كل صوت ممتنع هو حكم سياسي. وكل شاب في الشارع هو شهادة فشل. والأحزاب التي لا تجرؤ اليوم على تسمية القمع باسمه، ولا على مواجهة السلطة دفاعًا عن المجتمع، ستكتشف غدًا أن المجتمع تجاوزها، وأن السياسة لم تعد تنتظر من تخلّى عنها.

هذا ليس خطابًا تحريضيًا، بل توصيفًا لواقع صار مكشوفًا. الأحزاب أمام خيارين لا ثالث لهما: إما العودة إلى الشارع والدفاع عن الحرية وتحمل كلفة الموقف، أو الاستمرار في عدّ المقاعد، بينما الشارع يعدّ المعتقلين.

والتاريخ، كما علّمنا، لا يرحم من اختار السلامة في زمن يتطلب الشجاعة.

بنبركة

توقيع
0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
مباشر تبليغ
انضم للديسكورد