
163 ألف شكاية في سنة واحدة ليست فقط مؤشرًا على اختلال إداري، بل حلقة داخل مسار أوسع من التآكل البطيء للثقة بين المواطن والدولة. فحين تتحول الشكاية إلى ممارسة يومية، وحين تفقد فعاليتها، لا تختفي المشكلة، بل تغيّر شكلها: من تظلم إداري إلى عزوف، ومن عزوف إلى غضب صامت، ومن غضب صامت إلى احتجاج غير مؤطر. الأرقام الصادرة عن منصة «شكاية» تكشف هذا التحول بوضوح. تراجع عدد الشكايات لا يعني تحسنًا في أداء الإدارة، بل يتزامن مع تراجع نسبة المعالجة ومستوى الرضا.
هذه المعادلة تعني شيئًا واحدًا: المواطن لم يعد مقتنعًا بأن الشكوى تؤدي إلى نتيجة. وحين يفقد المواطن إيمانه بقنوات التظلم الرسمية، لا يعود إلى الصمت بوصفه رضا، بل بوصفه انسحابًا. هذا الانسحاب هو الوجه الأول للعزوف. عزوف عن الشكوى، عن المشاركة، عن الثقة في أن المؤسسات قادرة على الإنصاف. المواطن الذي كان يشتكي عبر المنصة، ثم يعيد فتح الشكاية، ثم لا يحصل على حل، يتعلم درسًا قاسيًا: الإدارة تسمع، لكنها لا تُنصف. ومع الوقت، يتحول هذا الإدراك إلى قناعة جماعية بأن التظلم مجرد إجراء شكلي، لا مسار تغيير.
في هذه اللحظة بالذات، تصبح الشكاية الرقمية صمام تنفيس بدل أن تكون أداة إصلاح. الدولة تستقبل الغضب، تُصنّفه، تُغلقه إحصائيًا، لكنها لا تُحوّله إلى مراجعة للمساطر ولا إلى محاسبة للمسؤولين. هكذا تُدار الأزمة بدل حلها، ويُحتوى السخط بدل معالجته. لكن الاحتواء، حين يطول، يُراكم الانفجار بدل أن يمنعه. العزوف الإداري يرتبط مباشرة بالعزوف السياسي. المواطن الذي لا يثق في الإدارة، لا يثق في الانتخابات، ولا في المجالس المنتخبة، ولا في الوعود العمومية. الشكاية التي لا تُحلّ اليوم، هي صوت انتخابي مفقود غدًا، وهي مشاركة مدنية مؤجلة، وهي استعداد أقل للانخراط في أي مسار مؤسساتي. هكذا تتقاطع البيروقراطية مع أزمة التمثيل.
أما الاحتجاج، فلا يأتي دائمًا في شكل مسيرات منظمة. في كثير من الحالات، يبدأ كاحتجاج صامت: امتناع عن الأداء، لجوء إلى الوساطات غير الرسمية، أو انفجار موضعي حين تُغلق كل الأبواب. ما نراه من احتجاجات قطاعية، أو انفجارات اجتماعية مفاجئة، لا يمكن فصله عن هذا المسار الطويل من الإحباط الإداري المتراكم. منصة «شكاية» ليست المشكلة، بل الدليل.
هي المرآة التي تعكس إدارة لم تُغيّر علاقتها بالمواطن، بل غيّرت فقط وسيلة التواصل معه. الرقمنة هنا لم تُنتج حكامة، بل أعادت إنتاج نفس المنطق القديم بلغة جديدة: منطق الرد بدل الحل، ومنطق الإجراء بدل الإنصاف. في العمق، هذه الأرقام تقول إن الدولة ما تزال تتعامل مع المواطن بوصفه “طالب خدمة” لا “صاحب حق”. وما لم يتحول التظلم إلى أداة مساءلة حقيقية، وما لم تُربط الشكايات بإصلاح المساطر ومحاسبة المسؤولين، فإن المسار سيكون واضحًا: شكايات أقل، ثقة أقل، مشاركة أقل، واحتجاجات أكثر حدة حين ينفد الصبر.
أزمة الإدارة في المغرب ليست تقنية، ولا رقمية، بل سياسية بامتياز. هي أزمة تصور لدور المرفق العمومي، وأزمة قرار في جعل الإنصاف أولوية لا شعارًا. وإذا استمرت الشكايات تُدار كأرقام، فإن الدولة لا تُدير فقط تظلمات المواطنين، بل تُراكم شروط العزوف والاحتجاج وفقدان الثقة… بصمت، إلى أن ينكسر هذا الصمت في مكان ما، وبشكل غير متوقع.


الحقيقة المرّة، شكرا على هاد المقال الأكثر من رائع و جرّيء، سلّطتو فيه الضوء على هاد الموضوع