هدم بلا ضمانات؟ مشروع المحج الملكي يفتح ملف التهجير القسري بالدار البيضاء

ما يجري اليوم في المدينة القديمة للدار البيضاء لا يمكن التعامل معه كملف عمراني عادي أو كإجراء إداري تفرضه “المنفعة العامة”، بل هو لحظة سياسية كاشفة تضع الدولة أمام اختبار حقيقي: هل ما زال الحق في السكن والضمانات القانونية جزءًا من العقد الاجتماعي، أم أنهما يُعلَّقان كلما استُحضرت مشاريع الواجهة والاستعجال المرتبط بالصورة الدولية؟
الهدم الذي طال أحياء كاملة وترحيل مئات الأسر والتجار والحرفيين باسم مشروع “المحج الملكي” لا يثير الغضب فقط بسبب الجرافات، بل بسبب الطريقة. إخبارات شفوية، آجال قصيرة حدّ الإهانة، غياب قرارات مكتوبة، ضبابية كاملة حول التعويض وإعادة الإسكان، وصمت رسمي يُحيل المتضررين إلى وضعية الضعف المطلق. هنا لا نتحدث عن اختلاف في التقدير، بل عن خلل عميق في احترام أبسط القواعد القانونية والدستورية التي يفترض أن تؤطر نزع الملكية.
الدولة تعرف جيدًا أن نزع الملكية لأجل المنفعة العامة ليس رخصة مفتوحة للهدم، بل مسطرة دقيقة تقوم على الإعلان المسبق، والقرار المكتوب، والتعويض العادل، وإمكانية الطعن، واحترام الكرامة الإنسانية. حين تُختزل هذه المسطرة في أوامر شفهية وجداول زمنية ضاغطة، فإننا لا نكون أمام “تسريع للأشغال”، بل أمام تعليق فعلي للحق في السكن، وتطبيع مع منطق التهجير القسري.
الأخطر في هذا الملف ليس فقط ما يقع، بل السياق الذي يقع فيه. مشاريع كبرى، تظاهرات رياضية دولية، سباق مع الزمن لتقديم مدينة “جاهزة” للكاميرات. في هذا السياق، يصبح الإنسان تفصيلاً مزعجًا، وتتحول الأحياء الشعبية إلى عائق يجب إزالته بسرعة. هكذا يُعاد تعريف “المنفعة العامة” ليس باعتبارها تحسينًا لشروط عيش السكان، بل باعتبارها خدمة لصورة الدولة في الخارج، ولو على حساب استقرار آلاف المواطنين في الداخل.
الدار البيضاء ليست مجرد فضاء عمراني، بل مدينة اجتماعية بتراكمات بشرية واقتصادية وثقافية. حين يُهجَّر الحرفيون والتجار الصغار دون بدائل واضحة، لا يُهدم الحجر فقط، بل تُدمَّر سلاسل عيش كاملة. وحين يتم ذلك في فصل الشتاء وفي منتصف السنة الدراسية، فإن الرسالة السياسية واضحة: الاستعجال أقوى من الحقوق، والمشروع أقوى من الإنسان.
هذا النوع من التدبير لا يطرح فقط سؤال القانون، بل سؤال النموذج. أي تنمية هذه التي تحتاج إلى الجرافة أكثر من الحوار؟ وأي مدينة نريد حين نُعيد رسمها دون إشراك ساكنتها، ودون احترام ذكرتها الاجتماعية؟ التنمية التي تُفرض من فوق، وبلا تعاقد، وبلا ضمانات، قد تُنجز أشغالًا في وقت قياسي، لكنها تزرع شعورًا دائمًا بالظلم وعدم الأمان.
الدولة قد تنجح في إنجاز المحج الملكي، وقد تُقدَّم الصور الجميلة عند الافتتاح، لكن السؤال الذي سيبقى معلّقًا هو: بأي ثمن؟ لأن التهجير القسري لا يُمحى بالإسفلت، ولا يُبرَّر بالخطاب الرسمي. إنه جرح سياسي واجتماعي يتراكم بصمت، ويقوّض الثقة في المؤسسات، ويحوّل مفهوم “المنفعة العامة” إلى أداة للضغط بدل أن يكون ضمانة للجميع.
ما يحتاجه هذا الملف ليس بلاغات مطمئنة، بل وضوح قانوني، وقرارات مكتوبة، وتعويضات عادلة، وحوار حقيقي مع الساكنة، ومساءلة سياسية عن الطريقة قبل النتيجة. فالدولة التي تريد أن تُقنع العالم بقدرتها على التنظيم، مطالبة أولًا بأن تُقنع مواطنيها بأنها لا تبني الواجهة على أنقاض حقوقهم. الهدم بلا ضمانات ليس تنمية، بل اختلال في ميزان السلطة. والمشاريع الكبرى لا تُقاس بحجمها ولا بكلفتها، بل بمدى احترامها للإنسان. وإذا كان المحج الملكي مشروعًا للمستقبل، فإن مستقبل المدينة لا يمكن أن يُبنى على تهجير قسري يُدار بالصمت والاستعجال.

