المجتمع في المفترق

أموال أوروبا واستنزاف البحر المغربي

ما تكشفه هذه الدراسة ليس مجرد أرقام تقنية حول اتفاقيات الصيد البحري، بل سردية كاملة عن علاقة غير متكافئة استمرت لعقود بين المغرب والاتحاد الأوروبي، علاقة جرى فيها تحويل البحر إلى مورد تفاوضي، والمال إلى تعويض سياسي، والتنمية المحلية إلى وعد مؤجل. أن يستحوذ المغرب على أكثر من 32 في المائة من مجموع الإعانات الأوروبية المخصصة لاتفاقيات الصيد منذ 1979 قد يبدو، في القراءة السطحية، “نجاحًا تفاوضيًا” أو دليلاً على أهمية الموقع البحري المغربي، لكن القراءة المتأنية تطرح سؤالًا أكثر إزعاجًا: من استفاد فعليًا من هذه المليارات، وبأي كلفة بيئية واجتماعية؟ منذ أواخر الثمانينيات، تحوّل الساحل المغربي إلى أحد أعمدة استراتيجية التوسع البحري الأوروبي خارج مياهه الإقليمية. لم يكن الأمر يتعلق فقط بالولوج إلى “فائض” سمكي كما تنص عليه القوانين الدولية، بل بفتح واسع ومنهجي للمصايد أمام أساطيل قوية تقنيًا وماليًا، في مقابل دعم مالي ضخم. ذروة هذا النموذج في منتصف التسعينيات، حين فُتحت المياه المغربية أمام مئات السفن الأوروبية، لم تكن مجرد لحظة تعاون اقتصادي، بل لحظة اختلال واضح في ميزان القوة: أساطيل ضخمة، تقنيات متقدمة، مقابل قطاع صيد تقليدي هش، وصيادين محليين لا يملكون لا القدرة التنافسية ولا أدوات الحماية. التحولات التي عرفها الاتفاق خلال العقدين الأخيرين، من تقليص عدد السفن وتضييق نطاق المصايد، لا تعني بالضرورة تصحيح هذا الخلل، بل تعكس انتقاله إلى شكل آخر. التركيز شبه الحصري اليوم على الأسماك السطحية الصغيرة، رغم أنها تمثل نسبة محدودة من القدرة الطاقية للأساطيل الأوروبية، يكشف منطقًا اقتصاديًا باردًا: أقصى مردودية بأقل كلفة سياسية وتقنية. هذه الأسماك ليست مجرد مورد تصديري، بل عنصر أساسي في الأمن الغذائي المحلي، وفي توازن السلسلة البيئية البحرية. تحويلها إلى محور الاتفاق يعني نقل الضغط من القاع إلى السطح، لا تخفيفه. الأخطر أن هذه المليارات التي تدفقت منذ 1979 لم تُترجم، في كثير من المناطق الساحلية، إلى تنمية مستدامة أو تحسين حقيقي لأوضاع الصيادين الصغار. الموانئ ظلت هشة، البنية الاجتماعية للصيد التقليدي تآكلت، والاعتماد على الريع التعاقدي حلّ محل بناء سيادة بحرية حقيقية. المال دخل، نعم، لكنه دخل غالبًا إلى ميزانيات مركزية أو برامج عامة، دون أن يُحدث قطيعة مع هشاشة الاقتصاد الساحلي المحلي. الدراسة، من حيث لا تقصد، تفضح أيضًا مفارقة سياسية عميقة. المغرب قُدِّم لسنوات كشريك استراتيجي للاتحاد الأوروبي في الصيد، لكن هذا “الشراكة” ظلت مشروطة ومؤقتة، سرعان ما اهتزت أمام أول اختبار قانوني جدي. حكم محكمة العدل الأوروبية في أكتوبر 2024، الذي اعتبر تطبيق اتفاق الصيد على مياه الأقاليم الصحراوية خرقًا لمبدأ تقرير المصير، يبيّن أن المال لم يكن يومًا ضمانة سياسية، وأن الاتفاقيات الاقتصادية الكبرى تظل رهينة موازين قانونية وسياسية لا يتحكم فيها الطرف الأضعف. هنا تتضح الصورة أكثر: المغرب لم يكن فقط أكبر مستفيد ماليًا، بل كان أيضًا الأكثر تعرضًا للمخاطر. ربط جزء مهم من سياسة الصيد الوطنية باتفاقيات خارجية، دون بناء بدائل داخلية قوية، جعل القطاع البحري رهينة قرارات قضائية أوروبية، ونقاشات سياسية لا علاقة لها مباشرة بحماية الصياد أو استدامة البحر. القضية إذن ليست في حجم الإعانات، بل في طبيعة النموذج. أربعون سنة من الاتفاقيات لم تُنتج سيادة بحرية، بل اعتمادًا تفاوضيًا. لم تُنتج اقتصادًا محليًا قويًا، بل قطاعًا مزدوجًا: جزء صناعي موجه للتصدير، وجزء تقليدي يُدفع تدريجيًا إلى الهامش. ومع كل مراجعة للاتفاق، يتضح أن الاتحاد الأوروبي كان أكثر قدرة على التكيّف، بينما ظل المغرب في موقع رد الفعل. هذه الدراسة تضع المغرب أمام لحظة حقيقة. لم يعد السؤال: كم حصلنا من أوروبا؟ بل: ماذا فعلنا بهذه الموارد؟ وهل حان وقت الخروج من منطق الإعانات إلى منطق السيادة والاستدامة؟ لأن البحر، بخلاف المال، لا يتجدد بلا حدود، وأي سياسة صيد لا تضع الصياد المحلي، والبيئة، والاستقلال الاستراتيجي في قلبها، ستعيد إنتاج نفس الحلقة: اتفاق، إعانة، استنزاف، ثم أزمة جديدة باسم القانون أو البيئة أو السياسة.

توقيع
0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
مباشر تبليغ
انضم للديسكورد