حين تُلمَّع الواجهة وتُهمَّش الهوامش
الدولة بين هوس السمعة الدولية وواقع المعاناة الاجتماعية

ما يحدث اليوم في المغرب لا يمكن قراءته كاختلال عابر في ترتيب الأولويات، بل كخيار سياسي واضح المعالم، تُدار فيه التنمية بمنطق الصورة قبل الإنسان، وبمنطق الواجهة قبل العمق. فالدولة التي تُظهر قدرة فائقة على إنجاز ملاعب بمعايير عالمية، وعلى احترام دفاتر التحملات حين تكون الكاميرات الدولية حاضرة، هي نفسها التي تتعثر، أو تتلكأ، أو “تعتذر” عندما يتعلق الأمر بأحياء كاملة تعيش خارج شروط الكرامة، أو بمناطق منكوبة تنتظر إعادة الإعمار، أو ببنية تحتية أساسية لا تحتمل مزيدًا من الترقيع.
المفارقة الصارخة أن المال العام لا يبدو نادرًا حين يتعلق الأمر بالرهانات المرتبطة بالسمعة الدولية. مليارات تُعبّأ لتأهيل الملاعب، لتوسيع طاقتها الاستيعابية، ولتقديم صورة “مغرب جاهز” لاحتضان التظاهرات الكبرى، من كأس إفريقيا إلى كأس العالم 2030. في المقابل، حين ينتقل النقاش إلى إعادة بناء منازل متضرري الزلازل، أو إلى إصلاح شبكات الصرف الصحي في الأحياء الشعبية، أو إلى طرق قروية تقطعها الأمطار كل شتاء، يصبح الخطاب فجأة حذرًا، والإمكانات “محدودة”، والآجال “مرتبطة بالإجراءات”.
هذا التناقض لا يمكن تبريره بالقول إن الاستثمار في الرياضة يدرّ صورة إيجابية أو عائدًا سياحيًا. فالسؤال ليس ضد الملاعب ولا ضد التظاهرات الدولية، بل ضد تحويلها إلى أولوية مطلقة تُستهلك فيها الموارد والجهد، بينما تُترك الحاجات الاجتماعية الأساسية في مرتبة ثانوية. التنمية ليست عرضًا بصريًا يُقدَّم للخارج، بل عقدًا اجتماعيًا يُقاس بمدى تحسين حياة الناس في الداخل. حين يصبح ملعب قادرًا على امتصاص الأمطار، بينما مدينة كاملة تختنق بها، فنحن أمام خلل بنيوي في تصور الدولة لوظيفتها.
زلزال الحوز كان لحظة كاشفة. لم يفضح فقط هشاشة البناء في مناطق واسعة، بل فضح أيضًا بطء الاستجابة، وتعقيد المساطر، والتفاوت الصارخ بين سرعة تعبئة الموارد حين يتعلق الأمر بمشاريع “استراتيجية”، وبطئها حين يتعلق الأمر بمواطنين فقدوا بيوتهم. هنا يتضح أن المسألة ليست تقنية، بل سياسية: من يستحق الاستعجال؟ ومن يُطلب منه الصبر؟
الحديث عن العدالة الاجتماعية لا يمكن فصله عن العدالة المجالية. حين تُصرف الأموال بسخاء في المدن الكبرى والفضاءات المرتبطة بالواجهة الدولية، بينما تُترك الهوامش لقوانين الارتجال، فإن الدولة لا تُخطئ التقدير فقط، بل تُعيد إنتاج الفوارق. الطرق المحلية المتآكلة، المدارس العمومية المتهالكة، المستشفيات التي تفتقر إلى الحد الأدنى من التجهيز، ليست حوادث عرضية، بل نتائج مباشرة لاختيارات استثمارية ترى في المواطن العادي كلفة، لا أولوية.
كأس العالم 2030 يُقدَّم اليوم كفرصة تاريخية، وهو كذلك من حيث الإمكانات. لكنه قد يتحول إلى مرآة قاسية إذا لم يُستثمر كرافعة لإعادة التوازن، لا كذريعة لتعميق الاختلالات. السؤال ليس: هل سننجح في التنظيم؟ بل: لمن سننجح؟ هل سيكون النجاح صورة جميلة تُصدَّر للخارج، أم تحسنًا ملموسًا في حياة من يعيشون بعيدًا عن الملاعب والفنادق المصنفة؟
الدولة التي تُراهن على السمعة الدولية وحدها، دون معالجة الجروح الاجتماعية العميقة، تراكم هشاشة مؤجلة. فالهوامش لا تختفي لأنها غير مرئية في نشرات الأخبار، والمعاناة لا تُمحى لأنها لا تُبث على الشاشات العالمية. حين تُلمَّع الواجهة ويُهمَّش العمق، يصبح الاستقرار نفسه هشًا، مهما كانت الملاعب جميلة، ومهما كانت الصور براقة.
في النهاية، ليست القضية قضية ملاعب ضد بيوت، ولا صورة ضد واقع، بل قضية نموذج تنموي. نموذج يختار من يخاطب، ومن يخدم، ومن ينتظر. والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل تريد الدولة أن تكون قوية في نظر العالم فقط، أم عادلة في نظر مواطنيها؟ لأن التاريخ يُعلّم أن السمعة لا تحمي الدول، بل العدالة هي التي تفعل.
حمدون القراص


موضوع مهم، تحياتي للزميل والصديق بن بركة