الافتتاحية

دولة “أوفلاين” في عصر الذكاء الاصطناعي

حين يصبح التخلف سياسة غير معلنة

العالم يناقش اليوم كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعيد تشكيل الاقتصاد، وأن يغيّر أنماط الحكم، وأن يطرح أسئلة أخلاقية وفلسفية حول مستقبل الإنسان نفسه، بينما ما يزال السؤال المركزي في المغرب بسيطًا ومهينًا في آن واحد: هل يشتغل الموقع الإداري أم لا؟ هل المنصة الرقمية مفتوحة أم “مغلقة مؤقتًا للصيانة”؟ وهل على المواطن أن يعود غدًا، أم الأسبوع المقبل، أم أن يحمل ملفه الورقي ويقف في الطابور كأن الزمن لم يتحرك منذ عقود؟

ليست المشكلة في غياب التكنولوجيا، بل في غياب الإرادة السياسية التي تعطي للتكنولوجيا معناها. فالرقمنة ليست تطبيقًا يُدشَّن أمام الكاميرات، ولا منصة تُطلق في بلاغ رسمي، بل رؤية شاملة لإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والمواطن. وما نعيشه اليوم هو العكس تمامًا: رقمنة شكلية تُستعمل كخطاب تسويقي، بينما جوهر الإدارة ما يزال غارقًا في البطء، والارتجال، واحتقار وقت المواطن وكرامته.

في قبة البرلمان، حيث يُفترض أن تُناقش رهانات المستقبل، لا أثر حقيقي لأي تفكير استراتيجي حول الذكاء الاصطناعي أو الاقتصاد الرقمي أو البحث العلمي. النقاشات تدور في حلقة مفرغة، والنواب يتحركون بمنطق آلي ممل: تصفيق حين يجب التصفيق، وصمت حين يُطلب الصمت، وتصويت سريع حين يتعلق الأمر بقوانين لا تمس جوهر السلطة. أما حين يُطرح سؤال العلم أو الابتكار أو الاستثمار في العقول، فيُؤجَّل النقاش أو يُفرَّغ من مضمونه، كأنه ترف لا يليق ببلد ما يزال منشغلًا بتدبير الأعطاب اليومية.

الحكومة، من جهتها، تبدو كبرنامج قديم لم يعد يتلقى أي تحديث. تتحدث عن الرقمنة، لكنها لا تملك استراتيجية واضحة، ولا رؤية متكاملة، ولا جرأة على تفكيك البيروقراطية التي تعيش عليها. كل محاولة لفتح ملف “التحول الرقمي” تصطدم بواقع إداري معطوب، وبمقاومة صامتة داخل أجهزة الدولة نفسها، لأن الرقمنة الحقيقية تعني الشفافية، والشفافية تعني المحاسبة، والمحاسبة خط أحمر غير معلن.

المفارقة المؤلمة أن المواطن المغربي لا يحتاج إلى دروس في الذكاء الاصطناعي، لأنه يعيش يوميًا مع “آلات” أكثر قسوة: آلة الانتظار في المستشفى، آلة الطوابع في الإدارة، آلة الملفات الضائعة، وآلة الوعود المؤجلة. بالنسبة له، الذكاء الاصطناعي يبدو كحكاية قادمة من عالم آخر، بينما الذكاء الحقيقي هو كيف يحصل على وثيقة بسيطة دون إذلال، وكيف يقضي غرضًا إداريًا دون أن يضيع يوم عمل كامل.

في زمن الخوارزميات، ما تزال الدولة تشتغل بمنطق الورقة والختم. في زمن الروبوتات، ما يزال القرار العمومي يُصاغ بعقلية الخوف من التغيير. وفي زمن المنافسة العالمية على العقول والمعرفة، ما يزال الاستثمار في البحث العلمي هامشيًا، والتعليم العمومي متروكًا للتآكل، والكفاءات تُدفع للهجرة كأنها عبء لا فرصة.

الأخطر من كل هذا أن التخلف لم يعد مجرد نتيجة للفشل، بل يتحول تدريجيًا إلى سياسة غير معلنة. سياسة تقوم على إدارة الأعطاب بدل حلّها، وعلى تسويق الشعارات بدل بناء الاستراتيجيات، وعلى الاكتفاء بالحد الأدنى الذي يمنع الانفجار دون أن يفتح أفقًا حقيقيًا للتقدم. هكذا تصبح الدولة “أوفلاين” ليس لأنها لا تملك الوسائل، بل لأنها لا تريد الضغط على زر التحديث.

العالم يركض نحو المستقبل، ونحن نلهث خلف الطابور. العالم يسأل كيف سيغيّر الذكاء الاصطناعي شكل الديمقراطية والعمل، ونحن ما زلنا نناقش هل من حق المواطن أن يُنجز معاملته عن بُعد. في هذا التناقض الصارخ، يتضح أن المشكلة ليست تقنية، بل سياسية بامتياز. والحقيقة المرة التي يجب قولها بوضوح: الذكاء الاصطناعي ليس أولوية في بلد لم يحسم بعد في مسألة الذكاء الطبيعي في تدبير شؤونه. فلا رقمنة بلا إرادة، ولا تحديث بلا شجاعة سياسية، ولا مستقبل يُبنى بعقلية تخاف من المستقبل نفسه.

توقيع
5 1 تصويت
تقييم المقالة يهمنا
1 تعليق
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
محمد
2 أيام

اوديييي الرقمنة العوجة

زر الذهاب إلى الأعلى
مباشر تبليغ
انضم للديسكورد