الافتتاحيةجيل 212نقاش تشريعي

الصحافة تحت الوصاية

كيف تُهندس الدولة السيطرة على الإعلام بالقانون

ما يجري اليوم لا يمكن اختزاله في نقاش تقني حول مواد قانونية أو في خلاف عابر بين أغلبية ومعارضة داخل البرلمان، بل نحن أمام لحظة كاشفة لمسار أعمق وأخطر، مسار تُعاد فيه صياغة العلاقة بين الدولة والإعلام عبر القانون، لا بهدف التنظيم أو الإصلاح، بل من أجل إعادة الضبط والتحكم. إحالة قانون “إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة” على المحكمة الدستورية ليست حدثًا معزولًا، بل تعبير عن قلق مشروع من تشريع يُنظر إليه كحلقة إضافية في سلسلة طويلة من تضييق المجال الإعلامي، وإفراغ الصحافة من دورها النقدي، وتحويلها إلى نشاط مُروَّض داخل حدود مرسومة سلفًا.

هذا القانون لا يولد في فراغ. إنه يأتي في سياق يعرف فيه الإعلام المغربي تراجعًا غير مسبوق في منسوب الحرية والاستقلالية. صحافيون يُتابَعون قضائيًا، منابر مستقلة تُخنق اقتصاديًا، إشهار عمومي يُستعمل كأداة ضغط، ومجال عمومي يتقلص تدريجيًا لصالح خطاب واحد مسموح به. في هذا المناخ، يصبح الحديث عن “إعادة تنظيم” مهنة الصحافة مثيرًا للريبة، لأن التنظيم هنا لا يُقترح كآلية لحماية المهنة، بل كوسيلة لإعادة ترتيب موازين القوة داخلها، بما يخدم منطق السيطرة لا منطق الاستقلال.

جوهر الإشكال لا يكمن فقط في تفاصيل النص، بل في الفلسفة التي تحكمه. حين يُربط التمثيل داخل المجلس الوطني للصحافة بمعايير رقم المعاملات وعدد المستخدمين، فإن الرسالة السياسية واضحة: من يملك المال والنفوذ الاقتصادي هو من يملك الصوت والقرار. هكذا يُقصى الصحافيون المستقلون، وتُهمَّش المقاولات الصغيرة، ويُعاد تشكيل مجلس يُفترض أن يكون فضاءً للتنظيم الذاتي، ليصبح امتدادًا لمنطق السوق والهيمنة المالية.

التنظيم الذاتي، كما نص عليه الدستور، يقوم على استقلال المهنة عن السلطة وعن رأس المال، لكن هذا القانون يقلب المعادلة، ويجعل الاستقلالية نفسها مشروطة بالقوة الاقتصادية. الأخطر من ذلك أن النص يفتح الباب أمام تداخل مقلق بين السلط، عبر إسناد أدوار ذات طبيعة تشريعية أو استشارية لهيئة مهنية، في خرق واضح لمبدأ الفصل بين السلطات. المجلس، بدل أن يكون إطارًا مهنيًا مستقلاً، يتحول إلى أداة وظيفية داخل هندسة أوسع للتحكم، حيث تُمنح له صلاحيات تُستعمل لضبط الصحافة لا لحمايتها.

مواعيد عرض مسلسل «تحت الوصاية» الحلقة 12 والقنوات الناقلة | المصري اليوم

في سياق سياسي تتغوّل فيه السلطة التنفيذية، ويضعف فيه البرلمان، يصبح هذا التداخل مؤشرًا إضافيًا على نزوع الدولة إلى احتواء كل الوسائط التي يمكن أن تشكل مجالًا للنقد أو للمساءلة. أما المساطر التأديبية التي ينص عليها القانون، فهي تكشف بدورها عن منطق الردع أكثر مما تعكس روح التنظيم. المساس بضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع ليس تفصيلاً إجرائيًا، بل جزء من تصور يعتبر الصحافي موضوعًا للمراقبة والعقاب، لا فاعلًا مهنيًا يجب تأطيره وحمايته.

حين تُصاغ العقوبات بشكل فضفاض، وتُترك سلطة التقدير دون ضوابط واضحة، يصبح التأديب أداة للترهيب، ويُدفع الصحافي إلى الرقابة الذاتية، وهي أخطر أشكال القمع لأنها غير مرئية ولا تحتاج إلى قرار رسمي. خطورة هذا القانون لا تكمن فقط في مضمونه، بل في توقيته. فهو يُطرح في لحظة ضعف بنيوي للصحافة، وفي سياق اجتماعي وسياسي يتسم بتراجع الثقة، واحتقان صامت، وحاجة ملحة إلى إعلام مستقل قادر على نقل الواقع وطرح الأسئلة الصعبة. بدل أن تُقوَّى الصحافة كسلطة رابعة، تُدفع نحو مزيد من الهشاشة، ويُطلب منها أن تشتغل داخل هامش ضيق، تحت سقف قانوني يبدو في ظاهره إصلاحيًا، لكنه في العمق يعيد رسم الحدود المسموح بها.

إحالة القانون على المحكمة الدستورية ليست مجرد خطوة قانونية، بل لحظة سياسية بامتياز. إنها آخر خطوط الدفاع المؤسساتية في معركة أوسع حول مستقبل حرية الصحافة بالمغرب. معركة بين تصور يرى الإعلام فضاءً للتعدد والنقد والمساءلة، وتصور آخر يعتبره مجالًا يجب ضبطه وتأطيره وإخضاعه باسم “الاستقرار” و“المسؤولية”.

السؤال الحقيقي الذي يطرحه هذا القانون لا يتعلق فقط بدستوريته، بل بالمسار الذي اختارته الدولة في تعاملها مع الإعلام: هل نحن أمام دولة تسعى إلى تنظيم الصحافة لحمايتها، أم إلى هندستها للحد من دورها؟ الجواب لا يوجد فقط في مواد القانون، بل في السياق الذي وُلد فيه، وفي السياسات التي سبقته، وفي الممارسات التي رافقت تنزيله. حين يُستعمل القانون لإعادة ترتيب المجال الإعلامي بدل تحريره، فإننا لا نكون أمام إصلاح، بل أمام وصاية جديدة، أكثر نعومة من الرقابة المباشرة، لكنها أشد فاعلية. وصاية تُدار بالقانون، وتُسوَّق بلغة الإصلاح، بينما هدفها الحقيقي هو السيطرة.

توقيع
5 1 تصويت
تقييم المقالة يهمنا
1 تعليق
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
حميد
2 أيام

Nichan

زر الذهاب إلى الأعلى
مباشر تبليغ
انضم للديسكورد