الافتتاحية

المغرب في 2025: حين تفشل الدولة في الإصغاء وتنجح في إنتاج الغضب

لم تكن سنة 2025 سنة عادية في تاريخ المغرب الحديث، بل كانت سنة كاشفة، فاضحة، ومقلقة. سنة لم تُنتج أزمة واحدة، بل كشفت أن الأزمة قائمة أصلًا، بنيوية، ومتعددة الوجوه. من الشارع إلى القضاء، من الإعلام إلى الاقتصاد، ومن السياسة الخارجية إلى تفاصيل العيش اليومي، بدا واضحًا أن الدولة تسير بخطاب، بينما المجتمع يتحرك بمنطق آخر، وأن الهوة بين الطرفين لم تعد قابلة للترميم بالمسكنات المعتادة.

الذين يقرأون 2025 كسنة “تحديات” أو “إكراهات ظرفية” يخطئون التشخيص. ما وقع ليس ظرفيًا، بل نتيجة تراكم طويل لسياسات أغلقت قنوات الوساطة، وأفرغت السياسة من معناها، ثم فوجئت بعودة الشارع في أشكال غير متوقعة. احتجاجات “جيل زد” لم تكن نزوة شبابية ولا فوضى رقمية، بل إعلان قطيعة صريح مع نظام تمثيلي فقد مصداقيته. جيل كامل يقول للدولة: لا نثق في أحزابكم، ولا في نقاباتكم، ولا في وعودكم، ونخرج لأننا لم نعد نملك ما نخسره.

الرد على هذا التحول لم يكن سياسيًا، بل أمنيًا في جزء كبير منه. احتواء هنا، قمع هناك، محاكمات، توقيفات، ورسائل واضحة بأن سقف الاحتجاج ما زال مرسومًا من فوق. لكن الدولة التي تظن أن الأمن يعوّض السياسة، إنما تؤجل الانفجار ولا تمنعه. لأن الغضب لا يُطفأ بالقوة، بل يُعاد إنتاجه بشكل أعمق وأكثر راديكالية.

في الخلفية، كانت الكوارث “غير الطبيعية” تؤكد فشل السياسات العمومية. انهيارات فاس وفيضانات آسفي لم تكن قضاءً وقدرًا، بل نتائج مباشرة للإهمال، ولسنوات من غياب التخطيط والمراقبة وربط المسؤولية بالمحاسبة. حين يموت المواطن بسبب بناية آيلة للسقوط أو شبكة صرف مهترئة، فالمسؤولية سياسية قبل أن تكون تقنية. لكن بدل المحاسبة، يُعاد تدوير الخطاب نفسه: لجان، تحقيقات، ووعود سرعان ما تُنسى.

في الشارع، ظل ملف فلسطين حاضرًا بقوة، كاشفًا مرة أخرى التناقض الصارخ بين المزاج الشعبي وخيارات الدولة. لم يعد التطبيع مجرد موقف دبلوماسي، بل أصبح عامل توتر داخلي، لأن الدولة اختارت تجاهل الرفض الشعبي الواسع، وراكمت قراراتها دون نقاش عمومي حقيقي. وحين يشعر المواطن أن صوته لا يُحتسب في القضايا الكبرى، يتأكد لديه أن السياسة تُدار بدونه، لا باسمه.

أما المشهد الإعلامي، فكان من أكثر المجالات التي عكست هذا الانسداد. 2025 كانت سنة التضييق الصريح: صحافيون في المحاكم، أصوات نقدية تُسكت، مؤسسات تنظيمية فاقدة للشرعية، ورسالة واحدة تتكرر: النقد مسموح… إلى حدّ معيّن. في بلد يدّعي الإصلاح، يصبح الصحافي مهددًا، وتتحول الرقابة الذاتية إلى قاعدة. وهذا أخطر ما يمكن أن يصيب مجتمعًا، لأن غياب النقد لا يعني الاستقرار، بل العمى.

اقتصاديًا، الأرقام تُلمَّع، لكن الواقع يفضح. نمو لا يخلق الشغل، دين يتضخم، غلاء ينهك الطبقات الوسطى والفقيرة، وسياسات اجتماعية عاجزة عن امتصاص الصدمة. حين يُطلب من الشباب الصبر، بينما لا يُطلب من السياسات التغيير، يصبح الصبر نفسه شكلًا من أشكال الإذلال.

حتى النجاحات الرياضية، رغم رمزيتها، كشفت المفارقة. المغرب قادر على التنظيم، على الفوز، على الإشعاع… حين تتوفر الإرادة والرؤية. السؤال الذي يفرض نفسه بحدة: لماذا تنجح الدولة في الملاعب وتفشل في الأحياء؟ لماذا يُدار الفشل الاجتماعي بمنطق “التحكم”، بينما يُدار النجاح الرياضي بمنطق الكفاءة؟

في العمق، 2025 كانت سنة سقوط الوهم: وهم أن الاستقرار يُفرض من فوق، وأن المجتمع سيبقى صامتًا إلى ما لا نهاية، وأن الإصلاح يمكن أن يكون انتقائيًا. ما وقع هو العكس تمامًا. المجتمع يتغير، الشباب يتغير، والوسائط القديمة لم تعد تقنع أحدًا. والدولة التي لا تلتقط هذه الإشارات، ولا تعيد بناء علاقتها بالمجتمع على أساس المشاركة والعدالة والحرية، إنما تراكم شروط أزمة أكبر.

2025 لم تكن نهاية شيء، بل بداية مرحلة. مرحلة إما أن تُقرأ بجرأة سياسية، ويُفتح فيها أفق إصلاح حقيقي، أو تُدار بالإنكار، وتُرحّل أزماتها إلى سنوات قادمة ستكون أكثر كلفة، وأكثر توترًا، وأقل قابلية للاحتواء.

السؤال لم يعد: هل يمرّ المغرب بمرحلة صعبة؟
السؤال الحقيقي هو: هل تملك الدولة الشجاعة للاعتراف بأن نموذجها بلغ حدوده؟

بنبركة

توقيع
0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
مباشر تبليغ
انضم للديسكورد