حين تتحول العقوبة البديلة إلى استثناء سياسي

قرار القضاء بالدار البيضاء رفض استبدال العقوبة الحبسية في حق شفيق الهجري بعقوبة بديلة لا يمكن قراءته كواقعة قضائية معزولة، ولا كاجتهاد تقني محض في تطبيق قانون جديد. ما وقع هو رسالة سياسية بامتياز، مفادها أن العقوبات البديلة، رغم كل ما قيل عنها في الخطاب الرسمي، ليست حقًا عامًا يُفعَّل وفق شروط واضحة، بل امتيازًا انتقائيًا يُمنح حين لا يكون للملف ثمن سياسي.
القضية تعود إلى وقائع سنة 2020، في سياق حالة الطوارئ الصحية، حين قام الهجري ببث مباشر يوثّق فيه خلافًا مع رجل شرطة. المحكمة الابتدائية برّأته، لكن محكمة الاستئناف أدانته، ثم جاء التنفيذ بعد سنوات، في لحظة سياسية مختلفة، ليُعاد فتح الملف وكأنه لم يُغلق أصلًا. هنا لا يتعلق الأمر فقط بتطبيق حكم نهائي، بل بإعادة تفعيل العقاب في سياق يتسم بتشديد التعامل مع الأصوات المنتقدة والاحتجاجات الشبابية.
تبرير المحكمة لرفض العقوبة البديلة يثير أكثر من علامة استفهام. فاعتبار أن استبدال العقوبة قد يبعث “رسالة سلبية تمس ثقة المجتمع في العدالة” يطرح سؤالًا معاكسًا: أي رسالة يبعثها سجن ناشط بسبب بث مباشر لا يتضمن، بحسب دفاعه، أي عبارات مسيئة؟ وأي ثقة تُبنى حين يُعامل الاحتجاج والتوثيق كتهديد للنظام العام، بينما يُفترض بالقانون أن يحمي حرية التعبير لا أن يعاقب عليها بأثر رجعي؟
الأخطر في القرار هو توسيع مفهوم “المساس بالنظام العام” ليشمل أفعالًا تعبيرية سلمية. هذا التوسيع لا يحمي المجتمع، بل يضيّق الفضاء العام، ويحوّل القانون من أداة إصلاح إلى وسيلة ردع. فحين تُدرج “إهانة هيئة منظمة” و”خرق حالة الطوارئ” في خانة الجرائم التي تمنع تلقائيًا الاستفادة من العقوبات البديلة، فإننا نكون أمام تأويل محافظ ومتشدد، يُفرغ القانون 43.22 من روحه الإصلاحية.
العقوبات البديلة وُجدت لتقليص الاعتقال، ولتفادي آثاره الاجتماعية والنفسية، ولإعادة إدماج المحكوم عليهم في المجتمع. لكن ما يقع اليوم هو العكس تمامًا: يُحتفظ بالسجن كأداة أساسية في قضايا الرأي، بينما يُسوَّق القانون كإنجاز إصلاحي. هذا التناقض لا يمر دون كلفة، لأنه يضرب في الصميم مصداقية الخطاب الحقوقي الرسمي.
قضية شفيق الهجري، مثل قضايا أخرى سبقتها، تطرح سؤال العدالة الانتقائية. لماذا تُفعَّل العقوبات البديلة في بعض الملفات، وتُرفض في ملفات أخرى تتعلق بالاحتجاج أو النقد؟ ولماذا يُربط “النظام العام” دائمًا بالأصوات المنتقدة، لا بالفساد أو الإهمال أو الإفلات من العقاب؟ هذه الأسئلة لا تُحرج القضاء فقط، بل تُحرج الدولة ككل.
الرسالة التي تصل اليوم إلى الشباب واضحة وخطيرة في آن واحد: التوثيق مخاطرة، والاحتجاج قد يُلاحق بعد سنوات، والقانون قد يُستدعى حين يتطلب الأمر التأديب لا الإنصاف. هذه الرسالة لا تُنتج احترامًا للقانون، بل خوفًا منه، ولا تُنتج ثقة في المؤسسات، بل قناعة بأن العدالة تُدار بمنطق سياسي لا اجتماعي.
في المحصلة، رفض استبدال عقوبة شفيق الهجري بعقوبة بديلة ليس مجرد قرار قضائي، بل حلقة جديدة في مسار تضييق الفضاء العام، وتجريم الفعل الاحتجاجي، وإفراغ الإصلاحات القانونية من مضمونها. وإذا كانت العقوبات البديلة لا تُطبَّق في مثل هذه القضايا، فإن السؤال المشروع هو: لمن شُرّعت إذن؟ ومتى ستتحول من واجهة إصلاحية إلى ممارسة عادلة؟
القضية اليوم ليست قضية شفيق الهجري وحده، بل قضية معنى العدالة في بلد يقول إنه اختار طريق الإصلاح. والعدالة، حين تفقد بعدها الإنساني، تتحول من ضمانة للحقوق إلى أداة للضبط. وهذا أخطر ما يمكن أن تصل إليه دولة تدّعي الاستقرار.
بنبركة

