حين تُعلَّق الدراسة… ولا تُعلَّق الأسئلة

قرار تعليق الدراسة في أكادير إداوتنان و**كلميم واد نون**، مقابل استئنافها في تارودانت، بسبب الاضطرابات الجوية، يُقدَّم كإجراء احترازي مشروع لحماية التلاميذ والأطر. من حيث المبدأ، لا خلاف على أولوية السلامة. لكن ما يُقلق حقًا هو أن هذه القرارات، التي تتكرر كل موسم، صارت تُدار بمنطق الظرف لا بمنطق السياسة العمومية، وكأن الطقس الاستثنائي حدث طارئ في بلد لم يعرف خلال السنوات الأخيرة سوى “الاستثناء”.
اللافت ليس تعليق الدراسة في حد ذاته، بل ما يكشفه: هشاشة البنية المدرسية، ضعف النقل المدرسي، غياب مسارات آمنة للتنقل، وتفاوت مجالي صارخ في القدرة على مواجهة المخاطر. حين تُعلَّق الدراسة في إقليم وتُستأنف في آخر داخل الجهة نفسها، فذلك لا يعكس فقط اختلافًا في شدة التساقطات، بل اختلافًا أعمق في الجاهزية والوقاية والاستثمار العمومي.
ما الذي يجعل السيول خطرًا متكررًا على تنقل التلاميذ؟ ولماذا تتحول الأمطار إلى تهديد بدل أن تكون موردًا؟ الجواب ليس في السماء، بل على الأرض: شبكات صرف غير كافية، طرق قروية مهترئة، مدارس معزولة، ونقل مدرسي هشّ. هذه ليست كوارث طبيعية بقدر ما هي نتائج خيارات طويلة الأمد لم تُعطِ الوقاية ما تستحقه.
ثم هناك سؤال العدالة التعليمية. تعليق الدراسة، وإن كان ضروريًا، لا يكون محايد الأثر. التلميذ في الوسط القروي أو الهامشي يدفع ثمن الانقطاع أكثر من غيره، لأن التعويض البيداغوجي ضعيف، والتعليم عن بُعد غير متكافئ، والبرنامج يُستأنف غالبًا وكأن شيئًا لم يكن. هكذا تتراكم الفجوات، لا بسبب الغياب فقط، بل بسبب غياب سياسة تعويض عادلة ومنهجية.
السلطات تتحدث عن “لجان يقظة” و“تنسيق”، وهذا جيد. لكن اليقظة الحقيقية لا تبدأ عند صدور النشرة الإنذارية، بل قبلها بسنوات: في تخطيط عمراني يحترم مجاري الأودية، في استثمار وقائي في المدارس والطرق، وفي نقل مدرسي آمن. أما إدارة الأزمة لحظة بلحظة، فهي اعتراف ضمني بأننا نُطفئ الحرائق بدل أن نمنع اندلاعها.
الأخطر أن الاعتياد على تعليق الدراسة قد يُطَبِّع مع الهشاشة. يصبح الانقطاع “عاديًا”، وتصبح الأمطار “استثناءً دائمًا”، وتُختزل السياسة التعليمية في بلاغات ظرفية. بينما المطلوب هو سياسة وطنية للوقاية المدرسية من المخاطر المناخية، تُوحِّد المعايير، وتضمن التعويض، وتُقلِّص الفوارق المجالية.
الخلاصة أن قرار تعليق أو استئناف الدراسة ليس نهاية النقاش، بل بدايته. السلامة لا تتحقق بالبلاغات وحدها، والعدالة التعليمية لا تُصان بالارتجال. ما نحتاجه هو انتقال من منطق التدبير الاستعجالي إلى منطق الوقاية، ومن ردّ الفعل إلى التخطيط، حتى لا تبقى المدرسة رهينة الطقس، ولا يبقى التلميذ ضحية الجغرافيا.
بنبركة

