
بينما يحتفل المغرب باحتضانه كأس إفريقيا، وتعلو صيحات الفخر بملاعب جديدة بُنيَت بميزانيات ضخمة تقدر بالمليارات، يكشف الواقع اليومي للمواطن عن وجه آخر مغيب تماماً. ففي المستشفيات، لا زالت تكافح الأسر للحصول على سرير أو دواء، وفي المدارس، تتكدس الأقسام بالتلاميذ فيما يرزح المستوى التعليمي تحت وطأة الإهمال. في الريف، يقطع التلاميذ الصغار عدة كيلومترات يومياً على الأقدام، تحت شمس الصيف وبرد الشتاء، دون أن تصل إليهم حافلات النقل المدرسي التي وُعدوا بها. هذه ليست قصصاً منفردة، بل هي صورة قاتمة لنظام أولويات مقلوب عبر أرقام تكشف الحقيقة المزيفة لوطن جعل المواطنين آخر همِّه و اهتمام مسيِّريه، حيث يحتل المغرب المركز 12 عالميا في كرة القدم، لكنه في نفس الوقت يصنف في الرتب الأخيرة عالميا على مستوى الصحة (المرتبة 120) والتعليم (المرتبة 110).

هذا التناقض الصارخ ليس حكاية منفصلة عن ضحايا زلزال الحوز، الذين ما زالوا، بعد عدة سنوات، يقاومون برد الشتاء وحر الصيف في خيم بالجبال، رغم الوعود والمبالغ المعلنة التي رُصدت لإعادة إسكانهم. إنها نفس الخيط الذي يربط بين استثمار المليارات في منشآت رياضية استعراضية، وتقاعس الدولة عن توفير سقف دائم لمن فقدوا بيوتهم بفعل كارثة طبيعية. أين تذهب الأموال؟ ومن يحاسب على هذه الهوة السارخة بين البذخ في بعض المجالات والبخل الشديد والإهمال في مجالات الحياة والكرامة الإنسانية الأساسية؟
وراء هذا المشهد، يقف شبح الفساد وسوء التسيير كمتهم رئيسي. فسياسات إنفاق المال العام تبدو وكأنها تُدار وفقاً لمعيار “الريع الإعلامي” والفرح المؤقت بقصد التخدير والهاء الناس عن همومهم اليومية، بدلاً من معيار الحاجة والعدالة الاجتماعية. يتم ضخ الاستثمارات حيث تُسمع الهتافات وتُرى الأضواء، بينما تُهمل القطاعات الحيوية التي لا تصنع عناوين إخبارية مبهرة، لكنها تصنع مستقبل الأمة وتُحفظ بها كرامة المواطنين. لقد تحولت الرياضة، في هذا السياق، إلى أداة لتلميع الصورة وإلهاء الرأي العام عن الإخفاقات الهيكلية.
النتيجة المتعمدة، أو على الأقل المريحة للسلطة، هي تفادي نشوء أجيال واعية قادرة على المساءلة. فشاب مشغول بمعاناة والديه في المستشفى، وتلميذ مُنهَك من مشقة الطريق إلى المدرسة، وأسرة مشتتة في خيمة بعد زلزال، كلهم لن يجدوا الوقت ولا الطاقة للمطالبة بحقوقهم أو محاسبة المسؤولين وتابع كيفية تدبير مواردها بلدهم ورزقهم. يتم إنتاج المواطن “المنشغل بالبقاء”، بدلاً من المواطن القادر على المشاركة، البناء، المطالبة، المساءلة والمحاسبة مع المسؤولين و مسيرين البلاد.
إن إنجاز التنظيم الرياضي الكبير لن ولا يكتمل، ولا ولن يكون مصدر فخر حقيقي، إلا إذا كان جزءاً من إنجاز إنساني شامل. كرامة المواطن لم ولا تُبنى بمدرجات الملاعب، بل تُبنى أولاً في الفصول الدراسية اللائقة، وفي المستشفيات النظيفة المتاحة، وفي توفير سقف دائم لكل أسرة بهدف خلق الاستقرار الدائم، وفي حافلة تقل التلميذ إلى مدرسته بأمان. حان الوقت لأن تتحول الطاقة الوطنية الهائلة المنصبة على الرياضة اللهو والمهرجانات إلى ضغط شعبي وحَوْكَمة رشيدة تستثمر في الإنسان أولاً وأخيراً، لأن الوطن الحقيقي هو الذي يبني مواطنيه، قبل أن يبني الملاعب و منصات المهراجانات.
مغربي حر
ifreedom

