المجتمع في المفترق

المغرب يشيخ بسرعة: ناقوس خطر ديمغرافي يدق

لم يعد التحول الديمغرافي في المغرب مجرد توقعات بعيدة أو أرقام تُقرأ في تقارير تقنية، بل أصبح واقعًا يفرض نفسه على المجتمع والاقتصاد والسياسات العمومية. ما تكشفه المعطيات الأخيرة عن تسارع وتيرة الشيخوخة ليس خبرًا عابرًا، بل إنذار مبكر بأن نموذج التنمية القائم يسير بزمن غير منسجم مع الزمن السكاني للبلاد. في ظرف عقدين فقط، تضاعف عدد المسنين أكثر من مرتين، بينما تراجعت الفئات الشابة والنشيطة، وهي المفارقة التي تقلب الهرم السكاني رأسًا على عقب. بلد كان يُصنَّف تاريخيًا ضمن المجتمعات الفتية، يجد نفسه اليوم ينتقل بسرعة إلى مرحلة الشيخوخة دون أن يكون قد راكم بعدُ شروطها الاقتصادية والاجتماعية. الخطر هنا لا يكمن في الشيخوخة في حد ذاتها، بل في شيخوخة غير مُدارة، وغير مصحوبة بإصلاحات عميقة. الضغط الذي سيُمارَس على أنظمة التقاعد والحماية الاجتماعية والصحة ليس سيناريو مستقبليًا، بل مسارًا بدأ بالفعل. حين ترتفع نسبة الإعالة المرتبطة بالشيخوخة بهذا الشكل، فهذا يعني أن فئة نشيطة أصغر عددًا ستتحمل كلفة اجتماعية أكبر، في سياق يعاني أصلًا من بطالة الشباب، وهشاشة الشغل، واتساع الاقتصاد غير المهيكل. النتيجة المتوقعة واضحة: توتر اجتماعي صامت، وتهديد لاستدامة المكتسبات الاجتماعية المحدودة أصلًا. الأكثر إرباكًا هو أن هذا التحول يحدث في وقت لم تُنجز فيه بعدُ قطيعة حقيقية مع سياسات قصيرة النفس. فالإصلاحات تُدار غالبًا بمنطق الظرفية، بينما التحول الديمغرافي يحتاج رؤية بعقود لا بسنوات. لا يكفي توسيع التغطية الصحية أو تعديل سن التقاعد بشكل تقني، إذا لم يُواكب ذلك استثمار جدي في خلق فرص الشغل، ورفع إنتاجية الاقتصاد، وتمكين النساء، وإعادة الاعتبار للسياسات الأسرية، وربط التعليم بسوق الشغل. ثم إن البعد الجندري في الشيخوخة يطرح تحديًا إضافيًا. كون النساء يشكلن النسبة الأكبر من المسنين يعني أن الهشاشة ستكون مضاعفة، خاصة في ظل فوارق الدخل، وضعف التغطية الاجتماعية، واستمرار أدوار الرعاية غير المؤدى عنها. أي سياسة ديمغرافية لا تضع هذا المعطى في قلبها ستعيد إنتاج اللامساواة في عمر متقدم. التحول الديمغرافي ليس قدرًا أعمى، بل نتيجة خيارات اجتماعية واقتصادية وثقافية. انخفاض الخصوبة، وارتفاع سن الزواج، وتغير أنماط العيش كلها مؤشرات على مجتمع يتغير بسرعة، بينما الدولة تتأخر في مواكبة هذا التغير. السؤال لم يعد هل يشيخ المغرب، بل هل يملك الجرأة السياسية للانتقال من منطق التدبير المؤقت إلى بناء عقد اجتماعي جديد يأخذ بعين الاعتبار توازن الأجيال؟ ناقوس الخطر يدق اليوم، لا غدًا. وكل تأخير في إعادة توجيه السياسات العمومية سيجعل كلفة الشيخوخة أعلى، ليس فقط على الميزانية، بل على التماسك الاجتماعي نفسه.

توقيع
0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
مباشر تبليغ
انضم للديسكورد