المجتمع في المفترق

كارثة آسفي: الدولة تعالج الأثر وتنسى السبب

ما يُقدَّم اليوم في آسفي على أنه “انتقال من التخطيط إلى الفعل” لا يمكن قراءته فقط من خلال لغة البلاغات الرسمية ولا عبر مفردات الطمأنة الإدارية من قبيل “لجنة القيادة” و“الإطار المؤسساتي الجامع”. انعقاد هذا الاجتماع، في حد ذاته، يكشف حجم التأخر في التعاطي مع فاجعة 14 دجنبر، ويعيد طرح سؤال جوهري ظل معلقًا منذ أول يوم بعد الفيضانات: هل نحن أمام برنامج لإعادة التأهيل، أم أمام محاولة متأخرة لاحتواء الغضب وتدبير الكلفة السياسية للكارثة؟

الفيضانات التي ضربت آسفي لم تكن حدثًا طبيعيًا صرفًا، بل نتيجة تراكم سنوات من الإهمال، وسوء التخطيط العمراني، وغياب الصيانة، وتجاهل التحذيرات المتكررة حول وضعية “الشعاب” والبنيات التحتية الهشة. لذلك، فإن أي حديث عن “مرحلة الفعل” يفقد معناه إذا لم يُسبَق باعتراف واضح بالمسؤوليات، وبأن ما وقع لم يكن قضاءً وقدرًا، بل نتيجة اختيارات وتقصير مؤسساتي.

القصاصة الرسمية تتحدث عن إحصاء دقيق وتشخيص شامل، وكأن هذه المعطيات لم تكن معروفة قبل الكارثة. المنازل الهشة، الطرقات المتآكلة، الشعاب المختنقة، والمدينة العتيقة المحاصَرة بالإهمال، كلها كانت قائمة قبل 14 دجنبر. الجديد فقط هو أن الفيضانات كشفتها دفعة واحدة، ووضعتها أمام الرأي العام في شكل صور وصرخات لا يمكن تجاهلها.

البرنامج المعلن، في ظاهره، يبدو شاملاً: إصلاح المنازل، دعم التجار، مواكبة الباعة الجائلين، تأهيل الطرقات، ترميم الشعاب، دعم المراكز الاجتماعية. لكن التجربة المغربية مع برامج “ما بعد الكوارث” تجعل الحذر واجبًا. الإشكال لا يكمن في العناوين، بل في آليات التنفيذ، معايير الاستفادة، آجال الإنجاز، وشفافية التتبع. كم من برنامج سابق انطلق بنفس الحماس، ثم تعثّر في التفاصيل، أو تحوّل إلى مصدر جديد للاحتقان بسبب الإقصاء، أو الزبونية، أو البطء القاتل؟

تثبيت الباعة الجائلين بالقرب من “باب الشعبة”، مثلًا، يُقدَّم كحل اقتصادي واجتماعي، لكنه يطرح أسئلة حقيقية: هل هو إدماج فعلي أم ترحيل مؤقت؟ هل تم إشراك المعنيين في القرار؟ وهل البنية المقترحة قادرة فعلًا على ضمان استدامة النشاط، أم أنها مجرد إجراء إسعافي لتفريغ الشارع من الغضب؟

الأخطر أن الخطاب الرسمي يركّز على ما بعد الفيضانات، ويتجنب عن قصد الحديث عن الوقاية. لا شيء في هذا الاجتماع، كما نُقل، يوحي بمراجعة جذرية لسياسات تدبير المياه، أو التخطيط الحضري، أو صيانة البنيات التحتية. لا حديث عن محاسبة من أهمل، ولا عن تغيير نمط التدخل الذي يجعل الدولة تتحرك فقط بعد وقوع الكارثة.

آسفي لا تحتاج فقط إلى إعادة تأهيل، بل إلى إعادة نظر. إعادة نظر في علاقتها بالمركز، في موقعها داخل السياسات العمومية، وفي كونها تُستحضَر غالبًا كمجال للتدخل الاستعجالي، لا كمدينة لها حق في التخطيط الاستباقي والتنمية العادلة. إذا ظل البرنامج محصورًا في ترميم ما تهدّم دون معالجة ما أنتج التهدم، فإننا نؤجل الكارثة المقبلة، لا أكثر.

انعقاد لجنة القيادة قد يكون خطوة ضرورية، لكنه ليس إنجازًا في حد ذاته. الإنجاز الحقيقي سيُقاس بما إذا كانت الأسر المتضررة ستستعيد كرامتها فعلًا، وبما إذا كانت المدينة ستخرج من منطق “الترقيع بعد الصدمة” إلى منطق الوقاية والمسؤولية. أما إن بقي كل شيء محكومًا بلغة البلاغات، فإن آسفي ستظل مثالًا آخر على دولة تتحرك بعد الفاجعة، وتغيب قبلها.

توقيع
0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
مباشر تبليغ
انضم للديسكورد