
لم يعد التغير المناخي في المغرب موضوعًا للنقاش الأكاديمي أو تقارير الاستشراف البعيد، بل صار واقعًا يوميًا يفضح هشاشة الدولة في تدبير المجال. بين فيضانات مدمرة في الشتاء وجفاف خانق في الصيف، تتكرر الكوارث بوتيرة متسارعة، بينما يستمر الخطاب الرسمي في الحديث عن “الاستباق” و“الجاهزية”، دون أن ينعكس ذلك فعليًا على الأرض. السؤال لم يعد هل البنية التحتية المغربية جاهزة، بل: لماذا لم تُهيَّأ رغم وضوح الخطر منذ سنوات؟ الدولة تُجيد تسويق نموذجها في الطاقات المتجددة، وتُقدَّم دوليًا كقصة نجاح في الانتقال الطاقي. غير أن هذا النجاح، في جوهره، انتقائي. المغرب نجح في سياسات “التخفيف” التي تخدم صورته الدولية والتزاماته المناخية، لكنه فشل فشلًا ذريعًا في سياسات “التكيف” التي تهم حياة المواطنين اليومية.
تُبنى محطات شمسية عملاقة، بينما تُترك قرى بأكملها دون قنوات صرف، ودون جسور، ودون حماية من سيول متوقعة ومعروفة. الفيضانات التي تضرب المدن والقرى ليست كوارث طبيعية بقدر ما هي كوارث سياسية. التوسع العمراني العشوائي لم يحدث في فراغ، بل جرى بعلم السلطات الترابية، وتحت أعين الإدارات التي منحت التراخيص أو غضّت الطرف. البناء فوق مجاري الأودية لم يكن خطأ أفراد فقط، بل نتيجة غياب إرادة سياسية لفرض القانون حين يتعارض مع مصالح انتخابية أو عقارية. شبكات الصرف المهترئة لم تُصمَّم لتغير المناخ، لأن الدولة لم تُحدّث تصورها للتخطيط الحضري منذ عقود. أما الإنذار المبكر، فيظل حبرًا على ورق، يصل غالبًا بعد أن تكون المياه قد غمرت البيوت. في الجهة الأخرى من المعادلة، يتحول الجفاف إلى أزمة بنيوية، بينما تستمر الدولة في تدبيره بعقلية الطوارئ. شبكات الماء تهدر نسبًا مهولة بسبب الإهمال، دون محاسبة حقيقية. المواطن يُطالَب بالاقتصاد في الماء، بينما السياسات الزراعية تشجع زراعات تصديرية شرهة للمياه تخدم أقلية من الفاعلين الكبار.
الفلاح الصغير يُترك لمصيره، في حين تُؤجَّل مراجعة النموذج الزراعي خوفًا من كلفة سياسية واقتصادية لا تريد الدولة تحملها. ما يكشفه هذا الواقع هو انفصام واضح بين الخطاب الوطني والواقع المحلي. الاستراتيجيات تُصاغ في الرباط، بلغة تقنية أنيقة، لكن تنزيلها يُلقى على جماعات ترابية ضعيفة، بلا موارد ولا كفاءات. الوزارات تشتغل بمنطق الجزر المعزولة، دون تنسيق فعلي، وكأن التغير المناخي ملف ثانوي لا يستحق مقاربة شمولية. الأسوأ أن صيانة البنية التحتية القائمة تُهمَل إلى أن تنهار، ثم يُعاد بناؤها بنفس المنطق القديم، في دورة عبثية من الهدر. المشكلة لم تعد في نقص المعرفة أو التمويل، بل في غياب القرار السياسي الشجاع. التغير المناخي يفرض إعادة ترتيب الأولويات، لكن الدولة تفضّل الاستمرار في منطق إدارة الأزمات بدل مواجهتها من الجذور.
تُعلن خطط، تُوقّع اتفاقيات، تُنظَّم مؤتمرات، بينما الواقع الميداني يقول إن المواطن ما يزال أول ضحية لكل مطر قوي وكل صيف جاف. إذا كان المغرب جادًا في طموحه البيئي، فعليه أن ينتقل من سياسة الصورة إلى سياسة الحماية. لا معنى لمحطات طاقة نظيفة إذا كانت البيوت تغرق، ولا قيمة للالتزامات الدولية إذا كان الأمن المائي مهددًا. التكيف مع المناخ ليس ترفًا ولا خيارًا تقنيًا، بل مسألة سيادة وعدالة اجتماعية. المناخ لا ينتظر البيانات الحكومية، ولا يفاوض الخطابات. وإذا استمر هذا التأخر البنيوي في إصلاح البنية التحتية ومنطق القرار، فلن تكون الكوارث المقبلة مفاجئة، بل نتيجة مباشرة لاختيارات سياسية معروفة، ومؤجلة، ومحمية بالصمت.
المعتصم بالله

