آخر كلام

حين يُؤجَّل الألم باسم الصورة

صمت ضحايا زلزال الحوز في زمن الأضواء

ما يرد في خبر تنسيقية زلزال الحوز لا يمكن التعامل معه كمعطى تنظيمي عابر أو “هدنة ظرفية” فرضها سياق رياضي استثنائي، بل كمؤشر سياسي واجتماعي بالغ الدلالة على عمق الاختلال في تدبير ملف الزلزال، وعلى حدود العلاقة بين الدولة والضحايا، حين تتحول الكارثة من مأساة إنسانية إلى ملف قابل للتأجيل وفق إيقاع الصورة الرسمية. خفوت حركية التنسيقية خلال فترة كأس إفريقيا لا يعني تراجع المطالب ولا انطفاء الغضب، بل يعكس وعيًا قاسيًا بميزان القوة وبسقف اللحظة. الضحايا اختاروا الصمت المؤقت، لا لأن الجرح التأم أو لأن المعاناة انتهت، بل لأن الدولة بعثت برسالة غير معلنة مفادها أن “الوقت ليس مناسبًا للاحتجاج”. وهكذا تتحول التظاهرات الرياضية الكبرى، مرة أخرى، إلى زمن مُعلّق تُرحَّل فيه الملفات الاجتماعية الثقيلة إلى ما بعد انطفاء الأضواء، وكأن الألم يمكن وضعه في وضعية الانتظار. عودة سعيد أيت مهدي بعد إنهاء محكوميته تعيد التذكير بحقيقة أساسية: هذا الملف لم يكن يومًا تقنيًا صرفًا، بل سياسيًا بامتياز. حين يُسجن ممثل للضحايا، وتُؤجَّل الاحتجاجات باسم “المقاربة المسؤولة”، فنحن أمام علاقة مختلّة بين سلطة تُدير الزمن وفق حسابات الاستقرار والصورة، وضحايا يُطالبون بحقوق أولية في السكن والإنصاف والكرامة. هنا لا يعود الصمت خيارًا طوعيًا، بل نتيجة ضغط غير متكافئ. الأخطر في هذا المسار هو أن التأجيل المتكرر للاحتجاجات لا يقابله أي تقدّم ملموس في تسوية الملفات العالقة.

تنسيقية زلزال الحوز تبرمج تحركات

آلاف المتضررين ما زالوا خارج لوائح الدعم، ومساطر الطعن بطيئة إلى حد العبث، والقرارات المحلية متضاربة، بينما يُطلب من الضحايا “إتاحة فرصة جديدة” للسلطات، وكأن الزمن الاجتماعي بلا كلفة، وكأن العيش في الخيام أو الهياكل المؤقتة حالة طبيعية قابلة للتطبيع. هذا المنطق يُحوّل الصبر إلى واجب أحادي الاتجاه، ويُعفي الإدارة من أي استعجال أو مساءلة. ربط التنسيقية تحركاتها بما بعد “الكان” يكشف مفارقة مؤلمة لا يمكن إنكارها: الدولة قادرة على الالتزام بمواعيد صارمة حين يتعلق الأمر بالتظاهرات القارية، لكنها عاجزة عن احترام آجال معقولة في إعادة إسكان مواطنين فقدوا كل شيء. هنا تتجلى أزمة الأولويات في أوضح صورها، ويتحوّل الحق في السكن والكرامة إلى ملف قابل للتأجيل، بينما تُعامل الصورة الدولية كأولوية غير قابلة للنقاش. ما ينتظر بعد 18 يناير ليس مجرد عودة للاحتجاجات، بل اختبار جديد للدولة نفسها. إما أن تلتقط السلطات رسالة الصمت المؤقت وتحولها إلى فرصة حقيقية لتسوية عادلة وشفافة، أو أن تجد نفسها أمام موجة احتجاجية أكثر حدة، لأن الإحباط المتراكم لا يختفي بالصمت، بل يتكثف ويتحول إلى غضب منظم. تنسيقية زلزال الحوز لم تختفِ، بل تنتظر. والانتظار، حين يطول دون نتائج، لا يُنتج التهدئة، بل يُراكم شروط الانفجار الاجتماعي. السؤال الحقيقي لم يعد: متى ستتحرك التنسيقية؟ بل: هل ستتحرك الدولة أخيرًا بمنطق الحق، لا بمنطق الظرف والصورة؟

توقيع
0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
مباشر تبليغ
انضم للديسكورد