حين تفرض الخبرة كلمتها… وتضيق هوامش المفاجأة

تأهل المنتخب المصري إلى نصف نهائي كأس أمم إفريقيا 2025 بعد فوزه المثير على كوت ديفوار لا يُقرأ كعبور رياضي عادي لـ“الفراعنة”، بل كتأكيد لمنطق يتكرر في البطولات الكبرى: حين تشتد اللحظات، تميل الكفة لمن يُجيد إدارة الضغط أكثر ممن يُراهن على الاستعراض.
المباراة كانت مفتوحة، سريعة، ومشحونة حتى دقائقها الأخيرة. كوت ديفوار لعبت بلا عقدة، وراهنَت على الاندفاع والسرعة والضغط العالي، ونجحت في إبقاء المواجهة معلّقة حتى الصافرة. لكن مصر، مرة أخرى، لعبت بطريقتها المألوفة: اقتصاد في الجهد، تركيز في التفاصيل، وقدرة على حسم المباراة دون الحاجة إلى سيطرة مطلقة أو أداء استعراضي.
هذا الفوز يعيد طرح سؤال قديم–جديد في الكرة الإفريقية: هل البطولات تُربح بالأسماء الشابة المتفجرة، أم بالخبرة التراكمية في إدارة اللحظات الحرجة؟ المنتخب المصري قد لا يكون الأكثر إقناعًا من حيث الأداء الجمالي، لكنه يظل من أكثر المنتخبات قدرة على عبور المنعرجات الصعبة، مستندًا إلى تاريخ ثقيل وثقافة انتصار متجذرة في ذاكرته الجماعية. بلوغ مصر نصف النهائي لم يكن مفاجأة بقدر ما كان تذكيرًا.
تذكير بأن هذا المنتخب، مهما تبدّلت أجياله، يحتفظ بجين تنافسي خاص في كأس إفريقيا. أرقام الأهداف التاريخية، وعدد المشاركات، والحضور الدائم في الأدوار المتقدمة ليست مجرد إحصائيات، بل تعبير عن مدرسة كروية تعرف كيف تتكيّف مع السياق، ومع خصم مختلف في كل مرة. المواجهة المقبلة أمام السنغال ترفع منسوب التحدي إلى مستوى آخر. هنا، لن تكفي الخبرة وحدها، ولن يكون الاندفاع البدني كافيًا. إنها مواجهة بين منتخب يعرف كيف يفوز، ومنتخب يعرف كيف يفرض إيقاعه. بين مدرسة تراكمية وأخرى حديثة، بين الصبر التكتيكي والقوة البدنية. وفي سياق بطولة تُقام بالمغرب، وتحت ضغط جماهيري وإعلامي كثيف، يتحول نصف النهائي إلى أكثر من مباراة.
إنه اختبار لقدرة المنتخبات الكبرى على الفصل بين التاريخ واللحظة، بين السمعة والأداء، وبين إدارة المباراة وإدارة التوقعات. مصر بلغت المربع الذهبي لأنها عرفت كيف تقول “لا” للمفاجأة، وكيف تُحوّل مباراة مفتوحة إلى انتصار محسوب. السؤال الآن ليس هل تستطيع الذهاب أبعد، بل: هل ستفرض منطقها مرة أخرى، أم أن هذه النسخة ستكتب فصلًا مختلفًا؟ في كأس إفريقيا، لا شيء يُحسم قبل صافرة النهاية. لكن المؤكد أن “الفراعنة” ما زالوا هناك… حيث اعتادوا أن يكونوا، حين يبدأ العدّ التنازلي الحقيقي.

