نبض الشارع

أزمة الدواء في المغرب: حين تفشل وزارة الصحة، تتوارى الحكومة، وتُستعمل الوكالة كواجهة

لم يعد مقنعًا، ولا أخلاقيًا، ولا سياسيًا، الاستمرار في تقديم أزمة الدواء بالمغرب كـ“اضطراب ظرفي” أو كأثر جانبي لأزمة عالمية. ما يعيشه المواطن داخل المستشفى العمومي اليوم ليس خللًا تقنيًا، بل نتيجة مباشرة لاختيارات سياسية واضحة، تتحمل مسؤوليتها وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، وتغطيها الحكومة المغربية، ويُراد امتصاص غضبها عبر الحديث المتكرر عن الوكالة المغربية للأدوية وكأنها العصا السحرية التي ستحل كل شيء.

حين يُحذّر برلمانيون من خصاص خطير في أدوية التخدير داخل المستشفيات العمومية، فذلك لا يدخل في خانة المزايدة السياسية، بل في خانة الخطر الصحي المباشر. دواء التخدير ليس مكملًا غذائيًا، بل شرط أساسي لإجراء العمليات الجراحية. غيابه يعني تأجيل العمليات، تعريض المرضى للمضاعفات، ودفعهم قسرًا نحو المصحات الخاصة. ومع ذلك، تلتزم وزارة الصحة خطاب التطمين، وتختبئ خلف أرقام عامة عن “تعدد الأدوية” و“توفر البدائل”.

هذا الخطاب ليس بريئًا. هو جزء من سياسة إدارة الأزمة لغويًا بدل حلّها فعليًا. فحين تقول الوزارة إن السوق المغربية تضم أكثر من 8 آلاف دواء، فهي تعلم جيدًا أن المواطن لا يحتاج 8 آلاف دواء، بل يحتاج دواءً محددًا في لحظة محددة. المريض لا يُعالج بالإحصائيات، بل بالعلاج المتوفر فعليًا في المستشفى العمومي، لا في نشرات التواصل.

أما تحميل المسؤولية للأطباء بدعوى “رفضهم وصف الدواء الجنيس”، فهو شكل فجّ من التهرّب من المسؤولية. إذا كان الطبيب غير مكوَّن على وصف الجنيس، فهذه مسؤولية الدولة. وإذا كان يتعرض لضغوط من مختبرات الأدوية الأصلية، فهذه مسؤولية الدولة. وإذا كان الجنيس غير متوفر بالجودة المطلوبة أو بالاستمرارية اللازمة، فهذه مسؤولية الدولة. في كل الحالات، الطبيب ليس صانع السياسة الدوائية، بل منفّذ لها.

الأخطر من ذلك هو ما تكشفه الأدوية “البسيطة” الغائبة، مثل ما يُعرف بـ“البومادا الصفراء”. دواء زهيد الثمن، موجه للفئات الفقيرة، غير مربح للمختبرات، فيختفي من السوق. هنا تسقط كل الأقنعة. سوق الدواء في المغرب لا يُدار بمنطق الصحة العمومية، بل بمنطق الربح. والدولة، بدل أن تفرض التزامات صارمة على المنتجين، تترك السوق يقرر من يستحق العلاج ومن لا يستحقه.

في هذا السياق، لا يمكن فصل أزمة الدواء عن مسار خصخصة الصحة العمومية. المستشفى العمومي يُترك بلا أدوية، بلا تجهيزات، وبلا موارد بشرية كافية، بينما يُفتح المجال أمام المصحات الخاصة لتقديم “الحل”. المريض الذي لا يجد دواء التخدير في المستشفى العمومي، سيجده في المصحة. لكن بثمن. ومن لا يملك الثمن؟ فليؤجل علاجه، أو ليتحمّل الألم، أو ليموت بصمت.

هذا ليس فشلًا عرضيًا، بل سياسة غير معلنة: إضعاف العمومي لتبرير الخاص. وزارة الصحة تعرف هذا المسار جيدًا، والحكومة لا تعارضه، بل تواكبه بصمت. أما الحديث عن “الحماية الاجتماعية” و“تعميم التغطية الصحية”، فيتحول إلى مفارقة قاسية حين تغطي البطاقة الصحية علاجًا غير موجود أصلًا.

أما الوكالة المغربية للأدوية، التي تُقدَّم اليوم كحل استراتيجي، فهي مهددة بأن تتحول إلى واجهة سياسية لتأجيل المحاسبة. الوكالة، إذا لم تُمنح سلطة فعلية لفرض مخزون استراتيجي للأدوية الأساسية، وإذا لم تُلزم المختبرات بإنتاج الأدوية غير المربحة، وإذا لم تُخضع سوق الدواء لمعايير الصحة العمومية لا منطق السوق، فلن تكون سوى اسم جديد لأزمة قديمة.

السؤال الحقيقي الذي تتهرب منه الحكومة هو التالي: هل الدواء حق أم سلعة؟ إذا كان حقًا، فلماذا يُترك توفيره لقوانين العرض والطلب؟ وإذا كان سلعة، فلماذا نُطالب المواطن بالثقة في منظومة صحية عمومية عاجزة عن توفير أبسط العلاجات؟

الأزمة اليوم ليست في نقص دواء معيّن، بل في غياب قرار سياسي شجاع يقول بوضوح إن الصحة العمومية خط أحمر. غياب هذا القرار هو ما يجعل الأزمات تتكرر كل سنة، ويجعل المرضى يدفعون الثمن، ويجعل الخطاب الرسمي يدور في حلقة مفرغة من التبرير.

ما يحدث في المستشفيات العمومية ليس قدَرًا، بل نتيجة. نتيجة خصخصة صامتة، وحكامة غائبة، ومحاسبة مؤجلة. وكل يوم تأخير في الاعتراف بهذه الحقيقة، هو يوم إضافي يُدفع فيه المواطن نحو القطاع الخاص، أو نحو الألم، أو نحو المقبرة.

الدواء لا يحتمل البلاغات. والمرض لا ينتظر الإصلاحات المؤجلة. إما سياسة صحية عمومية حقيقية، أو استمرار في إدارة العجز. وما بين الخيارين، هناك مرضى حقيقيون، لا يملكون ترف الانتظار.

بنبركة

توقيع
0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
مباشر تبليغ
انضم للديسكورد