نبض الشارع

قراءة نقدية في الأرقام: فلسطين في وجدان المغاربة… والسياسة خارج النبض

ما تكشفه نتائج المؤشر العربي 2025 بخصوص موقف المغاربة من القضية الفلسطينية لا يحمل مفاجأة بقدر ما يفضح فجوة عميقة بين الوجدان الشعبي والاختيارات السياسية الرسمية. حين يعتبر 64 في المائة من المغاربة أن فلسطين قضية جميع العرب، فنحن لا نقرأ رقمًا معزولًا، بل تعبيرًا عن وعي جماعي راسخ، تشكّل تاريخيًا وأخلاقيًا، ولم تنجح التحولات الجيوسياسية ولا اتفاقات التطبيع في اقتلاعه. هذه النسبة، في سياق إقليمي ودولي ضاغط، تعني شيئًا واحدًا: الرأي العام المغربي ما زال ينظر إلى فلسطين باعتبارها قضية عدالة، لا ملفًا دبلوماسيًا قابلًا للتدوير. مقابل ذلك، فإن 24 في المائة الذين يرون أنها شأن فلسطيني داخلي يعكسون اتجاهًا أقل حضورًا، لكنه يُستثمر سياسيًا وإعلاميًا لتبرير سياسات الأمر الواقع، وكأن الرأي العام منقسم بالتساوي، بينما الأرقام تقول العكس بوضوح. الأكثر دلالة أن هذا الموقف لا ينفصل عن الرفض العربي الواسع للاعتراف بإسرائيل، ولا عن ربط هذا الرفض بطبيعة المشروع الصهيوني التوسعية والاستعمارية. فحين يرفض 87 في المائة من المستجوبين الاعتراف بإسرائيل، ويشترط نصف القلة المؤيدة قيام دولة فلسطينية مستقلة، فإن الحديث عن “تطبيع شعبي” يصبح بلا أساس. ما يوجد هو تطبيع رسمي فوقي، لا يجد سندًا اجتماعيًا حقيقيًا، ويصطدم باستمرار مع المزاج العام. في العمق، تكشف هذه الأرقام عن وعي سياسي يتجاوز الحدود القطرية. اعتبار 76 في المائة من الرأي العام العربي أن العرب أمة واحدة، رغم الحدود المصطنعة، يفسر لماذا لا تُختزل فلسطين في جغرافيا أو جنسية. إنها قضية هوية وعدالة وذاكرة استعمارية مشتركة. وهذا ما يجعل كل محاولة لفصل “التضامن” عن “السيادة” محاولة فاشلة في قراءة المجتمع. لكن المفارقة الصادمة تظهر حين نربط هذه المواقف بالقضايا الداخلية. ضعف الثقة في المؤسسات التنفيذية والتشريعية، مقابل ارتفاع الثقة في مؤسسات القوة، يكشف خللًا بنيويًا في العلاقة بين المواطن والسياسة. المواطن متضامن مع فلسطين، مؤيد للديمقراطية بنسبة 68 في المائة، لكنه في الوقت نفسه يشعر بأن صوته لا ينعكس في القرار السياسي، لا داخليًا ولا خارجيًا. هنا تتقاطع القضية الفلسطينية مع أزمة التمثيل السياسي. أما الرغبة في الهجرة، التي يعبر عنها ربع المستجوبين، فهي الوجه الآخر لهذه المفارقة. شعوب تُعلن انتماءً جماعيًا واسعًا، لكنها تشعر بالاختناق داخل أوطانها. فلسطين حاضرة في الوجدان، لكن العدالة الاجتماعية غائبة في الواقع. الديمقراطية مرغوبة، لكن ممارستها محدودة. السياسات الخارجية مرفوضة، لكن القرار فيها بعيد عن الرقابة الشعبية. الخلاصة التي يفرضها هذا الاستطلاع واضحة: الرأي العام المغربي والعربي أكثر اتساقًا أخلاقيًا من السياسات الرسمية. فلسطين ما زالت بوصلة رمزية تكشف حدود الخطاب السياسي السائد، وتفضح وهم التماهي بين الدولة والمجتمع. كل قراءة تحاول اختزال هذه الأرقام في “تغيّر المزاج” أو “تعب التضامن” ليست سوى محاولة للهروب من الحقيقة: الشعوب لم تغيّر مواقفها، بل الأنظمة هي التي غيّرت مواقعها. والسؤال الحقيقي الذي يطرحه هذا الاستطلاع ليس ماذا يفكر المغاربة في فلسطين، بل: إلى متى سيظل هذا الوعي معزولًا عن القرار؟ وإلى متى ستُدار القضايا الكبرى بمنطق فوقي، بينما المجتمع يقول شيئًا آخر، بوضوح لا يحتاج إلى تأويل؟

توقيع
0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
مباشر تبليغ
انضم للديسكورد