سعيد الناصيري… حين يتحول الضحك إلى سلطة فقدت جمهورها

فشل فيلم الشلاهبية ليس حادثًا تقنيًا، ولا نتيجة ظرفية لمنافسة المنصات الرقمية، ولا حتى سوء حظ تسويقي. ما وقع هو لحظة انكشاف لمسار فني كامل، ولعلاقة مختلّة بين الكوميديا والسلطة، وبين الضحك والواقع. قرار سعيد الناصيري عرض فيلمه مجانًا بعد أيام قليلة من فشله المدفوع، ليس كرمًا فنيًا، بل اعترافًا صامتًا بأن الجمهور غادر، وأن الاسم وحده لم يعد كافيًا.
الناصيري ليس مجرد ممثل أو مخرج. هو نموذج لجيل من الكوميديين الذين صعدوا في لحظة تاريخية كان فيها الضحك الشعبي بديلاً عن النقد السياسي، وكانت السخرية تقوم بوظيفة التنفيس لا التفكيك. هذا الجيل نجح حين كان الجمهور يبحث عن الهروب، لا عن الفهم. لكن الزمن تغيّر، والجمهور تغيّر، والضحك نفسه تغيّر.
المشكلة في مسار الناصيري ليست في أنه لم يواكب تقنيًا، بل في أنه لم يراجع موقعه الرمزي. لا يزال يصنع الكوميديا من موقع “الواعظ الضاحك”، الذي يسخر من الانتهازيين كأشخاص، لا كنظام. يقدّم الفساد كحالة أخلاقية فردية، لا كبنية اجتماعية وسياسية. وهنا تحديدًا يفقد الضحك معناه، لأنه يتحول إلى أداة تبرئة غير مباشرة للواقع بدل مساءلته.
الشلاهبية أراد أن يكون فيلمًا “ناقدًا”، لكنه خرج كعمل متأخر عن زمنه. شخصيات كاريكاتورية، حبكة متوقعة، وسخرية مباشرة تظن أن تسمية العيب كافية لفضحه. لكن الجمهور المغربي اليوم لم يعد يضحك على هذا النوع من التبسيط. لأنه يعيش التناقض يوميًا، ويدفع ثمنه، ولا يحتاج من يشرح له أن هناك “انتهازيين”، بل من يشرح له لماذا ينتصرون دائمًا.
هنا نصل إلى أزمة أوسع: أزمة السينما الكوميدية المغربية. هذه السينما، في جزء كبير منها، لم تتطور لأنها ظلت حبيسة منطق “الضحك الآمن”. ضحك لا يزعج، لا يحرج، لا يقترب من السلطة، ولا يطرح أسئلة حقيقية. ضحك يُسمح له بالوجود لأنه لا يهدد شيئًا. ومع الوقت، تحوّل هذا الضحك إلى سلطة رمزية بحد ذاته، تفرض ذوقًا معينًا، وتقصي أشكالًا أخرى من الكوميديا الأكثر جرأة وذكاء.
الناصيري، في هذا السياق، لم يكن مجرد فنان، بل جزءًا من منظومة. منظومة كرّست نوعًا من الكوميديا التي تُضحك “مع” الواقع لا “عليه”. تضحك على الضحية أحيانًا، وعلى الشخصيات الهامشية، وعلى “الانتهازي الصغير”، لكنها لا تجرؤ على الضحك على البنية التي تنتج كل ذلك. ومع صعود جيل جديد من الجمهور، أكثر وعيًا، أكثر حساسية، وأكثر اتصالًا بتجارب عالمية في الكوميديا السوداء والساخرة، بدا هذا النوع من الضحك فجًّا، ومهينًا أحيانًا.
فتح الفيلم مجانًا لم ينقذه، لأن المشكلة لم تكن في ثمن المشاهدة، بل في ثمن المعنى. الجمهور لم يرفض الدفع، بل رفض الوقت. رفض أن يمنح ساعتين من حياته لعمل لا يضيف له شيئًا، لا فكريًا ولا جماليًا. وهذا أخطر من الفشل التجاري، لأنه فشل رمزي.
الضحك، في جوهره، فعل سياسي. يفضح السلطة، أو يخدمها. يحرّر، أو يروّض. والسينما الكوميدية المغربية، في جزء كبير منها، اختارت الطريق الأسهل: الترويض. لذلك حين تغيّر الذوق العام، لم تجد ما تقدمه. لأن الذوق لا يتغير وحده، بل يتغير حين يتغير الوعي، وحين تتغير علاقة الناس بالسلطة، وبالخطاب، وبالتمثيل.
ما حدث مع الشلاهبية هو رسالة قاسية لكنها واضحة: الجمهور لم يعد يريد أن يُضحك عليه. يريد أن يُضحك معه، أو أن يُصدم، أو أن يُستفز. يريد كوميديا تحترم ذكاءه، لا تطلب منه التصفيق للاسم أو للتاريخ.
السؤال اليوم ليس: هل فشل سعيد الناصيري؟
بل: هل يملك الشجاعة ليعترف أن المسار الذي نجح بالأمس لم يعد صالحًا اليوم؟
وهل تملك السينما الكوميدية المغربية الجرأة لتفكك علاقتها بالسلطة، وبالذوق المفروض، وبالضحك السهل؟
لأن الجمهور، كما أثبت، سبق الجميع.
والضحك الذي لا يتطور… يموت.
بنبركة

