مبيدات قاتلة بتراخيص رسمية: من يحمي صحة المغاربة؟

حين ننظر إلى ملف المبيدات والأسمدة الكيميائية في المغرب، لا نكون أمام نقاش تقني حول مواد فلاحية أو تراخيص إدارية، بل أمام صورة كاملة لنمط من الحكم والاختيار السياسي، يُدار فيه الغذاء كما تُدار أي سلعة، ويُترك فيه المواطن ليكون الحلقة الأضعف في سلسلة تمتد من المختبرات الأوروبية إلى الحقول المغربية ثم إلى موائد الناس.
المفارقة الصادمة أن المغرب، الذي يقدّم نفسه دوليًا كنموذج للاستقرار والانخراط في المعايير الدولية، يقبل عمليًا أن يستورد مواد كيميائية حُظر استعمالها داخل الاتحاد الأوروبي لأنها تشكل خطرًا مؤكدًا أو محتملًا على صحة الإنسان والبيئة. هذه المواد لا تُهرَّب، ولا تدخل في الظلام، بل تصل عبر مساطر قانونية، بتراخيص رسمية، وبعلم مؤسسات الدولة، وعلى رأسها المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، في ظل صمت سياسي مريب من وزارة الفلاحة، وكأن صحة المغاربة أقل كلفة من الدخول في مواجهة مع لوبيات الاستيراد والإنتاج.
في دول أخرى، حين ظهرت نفس المعطيات العلمية، لم يُطرح السؤال بصيغة “هل لدينا بديل؟” بل بصيغة “من نُفضّل: السوق أم الإنسان؟”. في الاتحاد الأوروبي، ورغم كل تناقضاته الأخلاقية، تم حظر عشرات المواد الفعالة بعد ربطها بأمراض سرطانية واضطرابات هرمونية وتدمير التنوع البيولوجي. في فرنسا، لم يتوقف النقاش عند منع الاستعمال الداخلي، بل وصل إلى محاولة منع تصدير هذه السموم إلى دول أخرى، ثم إلى نقاش أكثر جرأة حول منع استيراد منتجات غذائية تحتوي على بقايا مبيدات محظورة أوروبيًا. في تايلاند، بلد فلاحي بامتياز ويعتمد ملايين صغار الفلاحين، تم حظر مواد شديدة السمية مثل “الباراكوات” و”الكلوربيريفوس” رغم ضغط اللوبيات، لأن الدولة قررت أن الخطر الصحي لا يُدار بمنطق التدرج البطيء حين يكون الثمن هو حياة الناس.
في المقابل، اختار المغرب طريقًا مختلفًا: تنظيم شكلي بدل قرار سيادي، ومقاربة تقنية بدل موقف سياسي. هناك قوانين، نعم. هناك لوائح، نعم. هناك قاعدة بيانات للمبيدات المرخصة، نعم. لكن كل ذلك يبقى بلا معنى حين يُسمح بدخول مواد يعرف العالم كله خطورتها، وحين لا تُنشر لوائح واضحة ومبسطة للممنوع والمسموح، وحين لا تُعرض نتائج تحاليل بقايا المبيدات على الرأي العام، وحين يُترك الفلاح الصغير وحيدًا في مواجهة مواد لا يفهم مخاطرها ولا يتلقى تكوينًا حقيقيًا حولها.
الأخطر في هذا النموذج أنه لا يضر المستهلك فقط، بل يدمّر الفلاحة نفسها على المدى المتوسط. التربة تُستنزف، الفرشات المائية تتلوث، التنوع البيولوجي ينهار، والفلاح يصبح رهينة لمنظومة كيميائية تفرض عليه شراء المزيد من المبيدات لتعويض آثار مبيدات سابقة. هكذا تتحول الفلاحة من نشاط إنتاجي مستدام إلى حلقة مغلقة من التبعية، تُغذّي أرباح الشركات وتُفقِر الأرض والإنسان.
الخطاب الرسمي، حين يُحرَج، يلجأ إلى حجة “المعايير الوطنية” و”الخصوصية المغربية”، وكأن السموم تغيّر طبيعتها عند عبور الحدود، وكأن جسد المغربي أقل هشاشة من جسد الأوروبي. هذا المنطق ليس فقط غير علمي، بل مهين سياسيًا. السيادة الغذائية لا تعني رفع الإنتاج ولا تحسين أرقام التصدير، بل تعني أولًا حماية ما يدخل إلى أجساد الناس، وحماية الفلاح من أن يكون فأر تجارب لسوق دولية تبحث عن منافذ لتصريف ما لم يعد مقبولًا في بلدانها.
البرلمان يطرح أسئلة، والوزارات تعد بالدراسة، والوكالات تكتفي بالتنظيم، لكن لا أحد يجرؤ على اتخاذ القرار الجوهري: إغلاق الباب أمام المبيدات المحظورة دوليًا، والانتقال الجدي نحو بدائل بيولوجية، ليس كشعار أخضر، بل كخيار استراتيجي مدعوم بالبحث العلمي والدعم العمومي والتكوين. ما يحدث اليوم هو تأجيل متعمّد للمواجهة، لأن كلفة القرار السياسي تُعتبر أعلى من كلفة الأمراض الصامتة التي ستظهر بعد سنوات.
في النهاية، المقارنة بين المغرب والدول التي حظرت هذه المبيدات لا تفضح فقط اختلاف القوانين، بل اختلاف الإرادة. هناك دول قررت أن صحة مواطنيها خط أحمر، حتى لو أغضبت شركات كبرى. وهناك دول أخرى، من بينها المغرب، ما زالت تتعامل مع صحة الناس كمتغير ثانوي في معادلة الإنتاج والربح. السؤال الحقيقي لم يعد: هل هذه المبيدات خطيرة؟ بل: إلى متى سيظل المغرب يقبل أن يكون سوقًا لما لم يعد العالم يقبله؟ ومن سيتحمل المسؤولية حين تتحول هذه السياسة إلى أزمة صحية لا يمكن إنكارها ولا تبريرها؟
بنبركة

