إقتصاد الناس

30 مليون خبزة تُرمى يوميًا: فشل سياسات لا سلوك أفراد

حين يُطرح موضوع هدر الخبز في المغرب، غالبًا ما يُقدَّم للرأي العام في صيغة وعظية مبسطة: المواطن لا يحسن الاستهلاك، الأسر تشتري أكثر مما تحتاج، والخبز يُرمى بلا تقدير لقيمته. لكن هذا التبسيط، رغم ما فيه من جزء من الحقيقة، يُخفي جوهر المشكلة ويزيح النقاش بعيدًا عن موقعه الطبيعي: السياسات العمومية ونموذج تدبير الغذاء.

الأرقام التي كُشف عنها صادمة فعلًا. رمي ما يقارب 30 مليون خبزة يوميًا ليس سلوكًا هامشيًا ولا انحرافًا فرديًا، بل مؤشر على خلل واسع يتجاوز المطبخ إلى الحقل، ويتجاوز المستهلك إلى منظومة إنتاج وتوزيع كاملة. من غير المنطقي أن نُحمّل الأسر وحدها مسؤولية هدر ناتج عن إنتاج مفرط، وتسعير غير متوازن، ودعم غير مشروط، وسوق مفتوحة بلا تخطيط.

الخبز في المغرب ليس مجرد مادة غذائية، بل عنصر مركزي في الأمن الغذائي وفي الحياة اليومية. ومع ذلك، يُنتَج اليوم بمنطق الكمية لا الحاجة. المخابز تتنافس على الإنتاج دون أي تنسيق أو سقف، لأن منطق السوق يفرض عليها ذلك. الدولة، من جهتها، تدعم القمح والدقيق دون أن تربط الدعم بأي التزامات تتعلق بتقليص الهدر أو إعادة توجيه الفائض أو تحسين جودة الإنتاج. النتيجة الطبيعية لهذا الوضع هي فائض يُرمى، وخسائر تُحسب، ثم خطاب أخلاقي يُوجَّه إلى الحلقة الأضعف.

المواطن، في هذا السياق، لا يشتري الخبز لأنه يريد هدره، بل لأنه أرخص من بدائل غذائية كثيرة، ولأنه حاضر في كل وجبة تقريبًا، ولأنه يُشترى أحيانًا كتعويض عن غلاء باقي المواد. حين يتحسن الدخل وتتنوع الخيارات الغذائية، يتغير السلوك تلقائيًا. أما حين تُطالب الأسر بالترشيد في سياق ضغط اقتصادي، فإنك تطلب منها حل مشكلة لم تصنعها.

الدعوة إلى التوعية مهمة، لكنها غير كافية إن لم تُرفق بسياسات واضحة. لا يمكن الحديث عن تقليص هدر الخبز دون التفكير في آليات لتدبير الفائض، مثل إعادة التوزيع الاجتماعي، أو تشجيع تحويل الخبز غير المباع إلى استعمالات أخرى، أو حتى إعادة النظر في حجم الإنتاج اليومي. كما لا يمكن تجاهل دور الجماعات المحلية، وسلاسل التوزيع، والمخابز الكبرى، في إنتاج هذا الهدر.

الأخطر في اختزال النقاش في “سلوك المستهلك” هو أنه يُعفي باقي الفاعلين من المساءلة. الدولة تُخطط، وتدعم، وتراقب. المنتج يُنتج. الموزع يُسوق. وحين ينهار التوازن، لا يمكن أن يكون المواطن وحده هو المتهم. هدر الخبز، في جوهره، ليس أزمة أخلاق، بل أزمة تدبير.

إذا كان الهدف فعلًا هو الحفاظ على الخبز وتقليص الهدر، فالبداية ليست من خطاب اللوم، بل من بناء سياسة غذائية متكاملة، تُوازن بين الإنتاج والحاجة، وبين الدعم والمسؤولية، وبين السوق والحق في الغذاء. دون ذلك، سيظل الخبز يُرمى، وستظل الأرقام ترتفع، وسيظل النقاش يدور في المكان الخطأ.

توقيع
0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
مباشر تبليغ
انضم للديسكورد