لماذا تموت المقاولات الناشئة بصمت؟ قراءة سياسية–اقتصادية في فشل البدايات بالمغرب

ما تكشفه أرقام إفلاس المقاولات الناشئة في المغرب لا يمكن اختزاله في “ضعف التكوين” أو “أخطاء التسيير”، كما يُروَّج غالبًا في الخطاب التقني. نحن أمام فشل بنيوي في نموذج دعم المبادرة الاقتصادية، حيث يُشجَّع الشباب على خلق المقاولة، ثم يُتركون وحدهم في أول اختبار حقيقي للسوق والإدارة والتمويل. أن تفشل أكثر من 11 ألف مقاولة في سنة واحدة، وأن ترتفع حالات الحل بنسبة تفوق 57 في المائة خلال أقل من عقد، فهذا ليس خللًا عابرًا في دورة الأعمال، بل مؤشر على اقتصاد يفتح الباب للمقاولة عند التأسيس، ثم يُغلقه عند الاستمرار.
الدولة تُسهّل التسجيل، لكنها لا تُؤمِّن البقاء. السنوات الأربع الأولى، التي يُفترض أن تكون مرحلة التعلم والنمو، تتحول إلى حقل ألغام. مقاولون شباب يدخلون السوق بحماس، دون مواكبة حقيقية، فيصطدمون سريعًا بثلاثة جدران صلبة: إدارة بطيئة، تمويل شبه مغلق، وسوق غير عادلة. هنا لا يعود الفشل مسألة كفاءة فردية، بل نتيجة منطق مؤسساتي يُراكم الإقصاء. إشكالية التكوين، رغم أهميتها، تُستعمل أحيانًا كذريعة لتحميل المسؤولية للمقاول وحده.

صحيح أن كثيرين يفتقرون إلى مهارات التدبير المالي والجبائي، لكن السؤال الأعمق هو: أين الدولة من مواكبة هذا التعلّم؟ كيف يُطلب من مقاولة ناشئة أن تؤدي الضرائب والواجبات الاجتماعية بنفس منطق المقاولة الكبرى، دون فترة حماية أو تدرّج عادل؟ هذا ليس نظامًا جبائيًا، بل اختبار تحمّل غير متكافئ. التمويل، الذي يُفترض أن يكون رافعة، يتحول إلى عنق زجاجة. البنوك لا تموّل إلا من لا يحتاج إلى التمويل. الضمانات المطلوبة تُقصي تلقائيًا المقاولات الصغيرة، بينما تُفتح القروض بسهولة أمام الكبار. هكذا يتحول الخطاب الرسمي حول “تشجيع المبادرة” إلى شعار بلا أدوات.
المقاولة الناشئة لا تموت لأنها غير مربحة، بل لأنها لا تملك سيولة للصمود في انتظار استخلاص مستحقاتها، خصوصًا مع آجال أداء قد تصل إلى ستة أشهر، أحيانًا من طرف مؤسسات عمومية. الأكثر تناقضًا هو إقصاء هذه المقاولات من الطلبيات العمومية. الدولة، التي يُفترض أن تكون أول داعم، تتحول إلى أكبر مُقصٍ، عبر شروط تقنية ومالية لا يمكن للمقاولة الصغيرة تلبيتها. النتيجة واضحة: المال العمومي يدور داخل دائرة ضيقة من الفاعلين الكبار، بينما تُترك المقاولات الناشئة تتصارع في سوق غير مهيكل، أو تُهزم أمام منافسة غير عادلة من الاقتصاد غير الرسمي.
البعد المجالي يفضح بدوره وهم “تكافؤ الفرص”. الإفلاس يتركز في الجهات الأكثر دينامية، لا لأنها الأسوأ، بل لأنها الأكثر انكشافًا على المنافسة والضغط. في المقابل، جهات أخرى تعاني أصلًا من غياب الفرص والبنيات، ما يجعل خلق المقاولة فيها مغامرة مضاعفة. هكذا تُعاد إنتاج الفوارق الجهوية حتى داخل ريادة الأعمال. الخلاصة المؤلمة أن المغرب لا يعاني من نقص في المبادرات، بل من فائض في الخطاب وقلة في الحماية. يُطلب من الشباب أن يكونوا “مقاولين”، لكن دون شبكة أمان، ودون عدالة جبائية، ودون ولوج فعلي للتمويل والسوق.
حين تفشل المقاولة، يُقال إن صاحبها لم يكن جاهزًا. نادرًا ما يُقال إن النظام نفسه لم يكن منصفًا. إذا استمر هذا المسار، فلن نخسر فقط آلاف المقاولات، بل سنُراكم الإحباط، ونحوّل ريادة الأعمال من أفق أمل إلى تجربة فشل جماعي. دعم المقاولات الناشئة لا يكون بالندوات ولا بالشعارات، بل بسياسات تحمي السنوات الأولى، وتُميّز بين من يبدأ ومن راكم، وتجعل من الدولة شريكًا فعليًا لا متفرجًا بيروقراطيًا. بدون ذلك، سيظل السؤال مطروحًا: لماذا نُشجّع الناس على الدخول إلى سوق نعرف مسبقًا أنه يلفظهم؟

