تسميم صامت باسم الغذاء: الدجاج الفاسد يكشف هشاشة الرقابة

ما جرى في النواصر ليس “حادثة معزولة” ولا مجرد نجاح أمني ظرفي يُصفَّق له ثم يُنسى، بل هو مشهد مكثّف لخلل عميق في طريقة تدبير سلامة الغذاء بالمغرب. حجز 175 كيلوغرامًا من اللحوم البيضاء الفاسدة قبل وصولها إلى المستهلكين لا ينبغي أن يُقدَّم كخبر مطمئن، بل كجرس إنذار خطير: كم من شحنة مماثلة لم تُحجز؟ وكم من موائد استقبلت ما لم يصل هذه المرة؟
الحديث عن “مخاطر بيولوجية” ليس تهويلاً لغويًا، بل توصيف علمي دقيق. اللحوم البيضاء الفاسدة ليست فقط غير صالحة للاستهلاك، بل قد تكون ناقلًا لبكتيريا خطيرة، وتسممات جماعية، وأمراض قد لا تظهر آثارها فورًا. ومع ذلك، ما زال هذا النوع من الجرائم يُتعامل معه في الوعي العام كـ“غش تجاري” بسيط، لا كجريمة تمسّ الصحة العمومية والأمن الغذائي.
اللافت أن كل عناصر الخطر كانت حاضرة: نقل دون ترخيص، غياب التبريد، سيارة نفعية غير مهيأة، خرق سافر للقانون. أي أننا لا نتحدث عن ثغرة تقنية أو خطأ إداري، بل عن سلسلة إجرامية مكتملة الأركان. ومع ذلك، السؤال الذي لا يُطرح بما يكفي هو: كيف تتحرك هذه السلع أصلًا داخل السوق؟ كيف تمر عبر نقاط التفتيش؟ وكيف تُسوَّق في أحياء شعبية وأسواق معروفة دون أن يثير ذلك أي تدخل استباقي؟
صحيح أن تدخل الدرك الملكي والسلطات المحلية ومصالح المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية حال دون كارثة محتملة، لكن تحويل الواقعة إلى “نجاح ميداني” فقط يُخفي المشكلة الأساسية: الرقابة في المغرب ما زالت ردّ فعل لا سياسة وقائية. نتحرك حين تقع الفضيحة، لا قبل أن تقع. نُتلف اللحوم بعد ضبطها، لكن لا نُفكك الشبكات التي تقف وراءها، ولا نُعلن للرأي العام عن المسارات التي سلكتها، ولا عن الأسواق التي كانت ستستقبلها.
الأخطر من ذلك أن المستهلك المغربي يعيش في وضعية هشاشة كاملة. لا يعرف مصدر ما يأكل، ولا شروط تخزينه، ولا تاريخ ذبحه، ولا الجهة التي راقبته فعليًا. الثقة تُطلب منه، لكن دون شفافية. يُقال له إن “المراقبة موجودة”، لكن دون نشر دوري لنتائج التفتيش، ودون لوائح سوداء للمخالفين، ودون عقوبات رادعة تُشعر كل من يفكر في المتاجرة بصحة الناس أن الثمن سيكون باهظًا.
قضية اللحوم البيضاء الفاسدة تكشف كذلك وجهًا آخر للامساواة. هذه السلع لا تُوجَّه غالبًا إلى المطاعم الراقية أو الأسواق الممتازة، بل إلى الفئات الشعبية، حيث السعر المنخفض هو المعيار الأول. وهنا يصبح الفقر عامل خطر صحي. من لا يملك ثمن الجودة، يُقدَّم له الخطر. وهكذا تتحول سلامة الغذاء من حق عام إلى امتياز طبقي.
ما نحتاجه اليوم ليس فقط تشديد المراقبة، بل تغيير فلسفة التدبير. سلامة الغذاء لا تُدار بالبلاغات بعد الحجز، بل بمنظومة وقاية صارمة: تتبع السلسلة من الضيعة إلى المائدة، نشر المعطيات للعموم، تمكين المستهلك من المعلومة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، لا فقط للبائع الصغير، بل لكل من يغضّ الطرف، أو يتساهل، أو يحوّل القانون إلى إجراء شكلي.
ما وقع في النواصر يجب ألا يُغلق بعملية إتلاف موثقة بالكاميرا. يجب أن يُفتح كملف وطني: من يذبح؟ من ينقل؟ من يراقب؟ ومن يسمح بتكرار هذا السيناريو؟ لأن السؤال الحقيقي ليس كيف أُحبطت هذه المحاولة، بل: لماذا ما زالت مثل هذه المحاولات ممكنة أصلًا؟

