قضايا طلابية

مختصون اجتماعيون بلا تكوين… ووزارة بلا رؤية

حين أُحدث إطار “المختص الاجتماعي” داخل المؤسسات التعليمية قبل خمس سنوات، قُدِّم للرأي العام باعتباره خطوة نوعية نحو معالجة العنف المدرسي من جذوره، والانتقال من منطق العقاب والزجر إلى منطق الوقاية والوساطة والدعم النفسي والاجتماعي. غير أن ما تكشفه اليوم الدراسات الميدانية، ومنها هذه الدراسة العلمية، هو أن الفكرة سبقت أدواتها، وأن الدولة استنسخت إطارًا جديدًا دون أن تمنحه الشروط الضرورية للقيام بدوره الحقيقي.

الحديث عن ضرورة “تكوين محكم ومتخصص ومستمر” ليس تفصيلًا تقنيًا، بل اعتراف ضمني بأن المختصين الاجتماعيين وُضعوا في الواجهة دون عُدّة. كيف يمكن لإطار يُفترض أن يتدخل في حالات عنف، اضطراب نفسي، هشاشة اجتماعية، وعنف موجه للذات، أن يشتغل بتكوين محدود، وبمهام غير واضحة، وداخل مؤسسة مدرسية تعاني أصلًا من الاكتظاظ، ونقص الموارد، وتوتر العلاقة بين الإدارة والأسرة والتلميذ؟

ما يلفت الانتباه في نتائج الدراسة هو حجم العمل الذي يقوم به المختص الاجتماعي مقارنة بما هو متاح له فعليًا. جمع المعطيات الديمغرافية والنفسية والاجتماعية، الملاحظة اليومية للسلوكيات، إجراء المقابلات الفردية والجماعية، الإنصات، الوساطة، التنسيق مع الأسرة، الإحالة على مختصين آخرين، والمشاركة في خلايا الوساطة… كل هذا يُنجز غالبًا في غياب إطار قانوني دقيق يحدد المسؤوليات، وفي غياب حماية مهنية حقيقية تضمن الاستقلالية وعدم التداخل مع أدوار الإدارة أو الأطر التربوية.

الأخطر أن المختص الاجتماعي يُطالَب اليوم بلعب دور “الإسعاف النفسي” داخل مدرسة تعاني من اختلالات بنيوية لا علاقة له بها. العنف المدرسي لا يولد داخل الفصل فقط، بل هو امتداد لعنف اجتماعي أوسع: فقر، تفكك أسري، ضغط نفسي، فشل دراسي، إحساس بالإقصاء، وانعدام أفق. حين يُطلب من المختص الاجتماعي معالجة هذه الظواهر بأدوات محدودة، فإننا نُحمّله مسؤولية ما يفوق قدرته، ونحوّله إلى واجهة إنسانية لسياسات تعليمية واجتماعية فاشلة.

الوساطة، الإنصات، والإرشاد النفسي أدوات ضرورية، لكنها لا يمكن أن تكون بديلًا عن سياسة مدرسية متكاملة تعالج الاكتظاظ، وتعيد الاعتبار للمدرسة العمومية، وتربط التعليم بالدعم الاجتماعي الحقيقي. إسناد أدوار مسرحية للجاني ليتقمص دور الضحية قد يكون مفيدًا في حالات معينة، لكنه يصبح حلًا رمزيًا حين يغيب العلاج العميق للأسباب التي أنتجت العنف أصلًا.

الدراسة تُظهر كذلك لبسًا خطيرًا في موقع المختص الاجتماعي داخل المؤسسة. هل هو إطار مستقل؟ هل هو تابع للإدارة؟ هل يملك سلطة القرار أم يشتغل في الهامش؟ هذا الغموض لا يضر فقط بالمختص، بل يضر بالتلميذ نفسه، لأن غياب الوضوح يخلق تداخلًا في الأدوار، ويجعل التدخلات انتقائية، وأحيانًا خاضعة لمنطق “إطفاء الحرائق” بدل المعالجة الوقائية.

المفارقة أن الدولة، التي تعترف اليوم بالحاجة إلى تكوين المختصين الاجتماعيين على آليات بديلة لحل النزاعات، ما زالت تتعامل مع العنف المدرسي كظاهرة معزولة، لا كعرض لأزمة أعمق في المدرسة والمجتمع. لا يمكن أن نطالب المختص الاجتماعي بالنجاح، في حين نُبقي المدرسة فضاءً للضغط، والتلميذ موضوعًا للتلقين، والأسرة خارج أي مواكبة حقيقية.

في النهاية، هذه التوصيات العلمية مهمة، لكنها تطرح سؤالًا أكبر: هل نريد فعلًا مختصًا اجتماعيًا فاعلًا داخل المدرسة، أم نريده فقط شاهدًا مهذبًا على أعطاب لا يُسمح له بملامستها سياسيًا؟ لأن التكوين وحده لا يكفي، ما لم يُرافقه وضوح في المهام، استقلالية مهنية، موارد حقيقية، وإرادة سياسية تعترف بأن العنف المدرسي ليس مشكلة أفراد، بل نتيجة اختيارات مجتمعية كاملة.

توقيع
0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
مباشر تبليغ
انضم للديسكورد