الشباب المغربي بين الشهادة والبطالة: أزمة مسار أم أزمة سياسات؟

تكشف معطيات حديثة صادرة عن شبكة أفروباروميتر عن صورة مقلقة لوضعية الشباب المغربي في سوق الشغل، صورة تُعيد إلى الواجهة سؤالاً قديماً/جديداً: لماذا لم تعد الدراسة ضمانة للشغل؟ ولماذا يتحول التعليم، في حالات كثيرة، من وسيلة للترقي الاجتماعي إلى طريق مسدود؟
حسب هذه المعطيات، فإن 34% من الشباب المغاربة صرّحوا بأنهم واجهوا مشاكل كبيرة في مسارهم المهني، والسبب الرئيسي لا يرتبط فقط بندرة فرص الشغل، بل بـعدم ملاءمة التكوين والمهارات المكتسبة مع متطلبات سوق العمل. هذا الخلل البنيوي يجعل آلاف الخريجين خارج دائرة التوظيف، رغم سنوات من الدراسة والجهد.
فجوة بين المدرسة والسوق
هذا الواقع يؤكد أن المشكل، كما تُبرز الدراسة، ليس فردياً ولا ظرفياً، بل هو اختلال هيكلي في العلاقة بين منظومة التعليم وسوق الشغل. فالمعارف النظرية التي يتلقاها الطلبة لا تُترجم دائماً إلى كفاءات عملية مطلوبة، في ظل اقتصاد يتغير بسرعة، وسوق عمل يطلب مهارات رقمية، تقنية، ولغوية لا تزال ضعيفة الحضور في كثير من المسارات الدراسية.
الأخطر من ذلك، أن حوالي 65% من الشباب الذين شاركوا في الاستطلاع يطالبون الدولة ببذل مجهود أكبر في خلق فرص الشغل، وهو رقم يعكس فقدان الثقة في قدرة السوق وحده على امتصاص البطالة، وانتظار دور أكثر فعالية للسياسات العمومية.
البطالة… خطر اجتماعي وسياسي
هذه الأرقام لا يمكن التعامل معها كمؤشرات تقنية فقط، بل إنذار اجتماعي واضح. فاستمرار بطالة الشباب، خصوصاً المتعلمين منهم، يُغذي الإحباط، ويدفع بعضهم إلى الهجرة غير النظامية، أو الانسحاب من المشاركة الاقتصادية والسياسية، أو القبول بأعمال هشة لا تضمن كرامة ولا استقراراً.
الدراسة تعطي أيضاً مؤشراً مهماً حول التعليم العالي، إذ أن 56% من الشباب المغاربة بين 18 و35 سنة أكملوا جزءاً من دراستهم الجامعية، وهو رقم قريب من المعدلات المسجلة في دول إفريقية أخرى، حيث تصل النسبة إلى 58% لدى الذكور و53% لدى الإناث. هذا التقارب يُظهر أن المغرب حقق تقدماً ملحوظاً في تقليص الفجوة بين الجنسين في التعليم العالي، وهي نقطة إيجابية تُحسب للسياسات التعليمية خلال العقود الأخيرة.
لكن المفارقة الصادمة هي أن تحسن الولوج إلى الجامعة لم يُواكبه تحسن مماثل في فرص الإدماج المهني.
أزمة مواءمة لا أزمة كسل
ما تكشفه هذه المعطيات بوضوح هو أن أزمة بطالة الشباب ليست أزمة كسل أو ضعف مجهود فردي، بل أزمة مواءمة بين ما يُنتجه التعليم وما يطلبه سوق الشغل. فالشباب اليوم مؤهلون على الورق، لكن غير قابلين للتشغيل في الواقع.
ودون مراجعة جذرية لسياسات التكوين، وربط فعلي بين التعليم وسوق الشغل، وتشجيع حقيقي للمسارات التقنية والمهنية، سيظل المشهد على حاله: شباب بشهادات عالية، وبطالة مرتفعة، واقتصاد لا يستفيد من طاقاته البشرية.
في النهاية، بطالة الشباب ليست قدراً، بل نتيجة خيارات. وإن لم تتحول هذه الأرقام إلى جرس إنذار حقيقي لصناع القرار، فإن كلفة الانتظار ستكون باهظة، ليس فقط اقتصادياً، بل اجتماعياً وسياسياً أيضاً.
أنور الأحمدي

