السلطة والناسجيل 212

أزمة الخطاب السياسي وصعود التعبير الاجتماعي

 

يعاني الخطاب السياسي التقليدي في المغرب من فجوة متزايدة بين اللغة المستعملة والواقع المعاش. فالتكرار، وغياب الأثر الملموس، وتضخم الوعود غير القابلة للتحقق، كلها عوامل دفعت شريحة واسعة من المواطنين إلى البحث عن قنوات أخرى للتعبير عن مواقفهم.
هنا يبرز الاجتماعي كمساحة بديلة:
حين يختار شاب الهجرة بدل الانخراط الحزبي، فهو لا يتخذ قرارا فرديا فقط، بل يعبّر عن موقف سياسي صامت. وحين تنشأ مبادرات تضامنية محلية خارج أي تأطير سياسي، فإنها تعكس حاجة المجتمع إلى الفعل بعيدا عن الخطاب.
الفعل الاجتماعي الهادف: سياسة بلا شعارات
العمل الاجتماعي الهادف، حين يكون جادًا ومنظمًا، يتحول إلى ممارسة سياسية غير مباشرة. فالجمعيات التي تشتغل على التعليم، أو الصحة، أو البيئة، دون توظيف إيديولوجي، تساهم فعليًا في:
إعادة تعريف الأولويات،مساءلة السياسات العمومية بشكل عملي،وبناء علاقة جديدة بين المواطن والمجال العام.

سياسة لا تعتمد على الصراع، بل على الأثر، ولا تراهن على الخطابة، بل على النتائج.
ضد السياسة الضبابية: وضوح الواقع
السياسة الضبابية تربك الرأي العام لأنها تتحدث عن قضايا كبرى بلغة عامة، دون ربطها بالمعيش اليومي. في المقابل، المقاربة الاجتماعية تنطلق من الواقع، وتشتغل على التفاصيل، وتطرح الأسئلة الصعبة دون صدام مباشر.
هذا التحول لا يلغي السياسة، بل يعيد ترتيبها، ويمنحها مضمونا قابلا للفهم والتفاعل.
نحو وعي سياسي متدرج
في السياق المغربي، يبدو أن بناء الوعي السياسي لا يمر عبر القطيعة أو المواجهة المباشرة، بل عبر تراكم الفهم، واستعادة الثقة، وربط القرار السياسي بالأثر الاجتماعي.
فالسياسة التي لا تترجم إلى تحسين ملموس في شروط العيش، تفقد معناها، بينما الاجتماعيات، حين تُقرأ بعمق، تكشف الاتجاه الحقيقي للمجتمع، وتمنح الفاعلين السياسيين بوصلة أكثر دقة.
إن الاجتماعيات ليست هامش السياسة في المغرب، بل أحد مفاتيح فهمها الأساسية. ومن يتجاهل التحولات الاجتماعية، يعجز عن قراءة المشهد السياسي كما هو، لا كما يقدم في الخطابات.
السياسة التي تمر عبر المجتمع، وتستمع لما يقوله الناس بأفعالهم قبل أقوالهم، هي وحدها القادرة على بناء وعي هادئ، مستدام، وقابل للتطور.

 

توقيع
0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
مباشر تبليغ
انضم للديسكورد