السلطة والناس

تبذير باسم التمكين وزيرة التضامن تهدر 200 مليون في عرض حزبي مقنع

في لحظة اجتماعية خانقة تعيش فيها آلاف النساء المغربيات على هامش السياسات العمومية بين الفقر والهشاشة وغياب أبسط شروط الكرامة اختارت وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة أن تصرف ما يفوق 236 مليون سنتيم على حفل باهت تحت مسمى جائزة تميز المرأة المغربية حفل لم يكن سوى واجهة بروتوكولية مفرغة من أي أثر اجتماعي حقيقي بل تحول عمليا إلى تجمع حزبي مقنع لحزب الاستقلال أكثر منه مناسبة للاحتفاء بنساء المغرب المنسيات

الوزيرة نعيمة بن يحيى لم تكتف بتنظيم حفل متواضع من حيث المضمون والأثر بل ذهبت أبعد من ذلك حين سمحت بتسييس مناسبة ممولة من المال العام وحولتها إلى فضاء استعراض حزبي في وقت تعاني فيه الجمعيات النسوية الجادة من شح الدعم وتغلق فيه دور المرأة أبوابها أو تشتغل بإمكانيات هزيلة بينما تتزايد مظاهر التسول النسوي والهشاشة في شوارع المدن والقرى

236 مليون سنتيم صُرفت على لوجستيك وتنظيم كان بالإمكان إنجازه في قاعات عمومية مجانية مثل مسرح محمد الخامس أو قاعة علال الفاسي لكن الإصرار على تفويت صفقة لشركة بعينها بالعاصمة يطرح أسئلة ثقيلة حول منطق التدبير وحول الحدود الفاصلة بين العمل الحكومي وخدمة الأجندة الانتخابية المبكرة

الأخطر في هذا الملف ليس فقط رقم الميزانية بل السياق الذي صُرفت فيه هذه الأموال سياق اجتماعي يتسم بارتفاع معدلات الفقر وسط النساء وتراجع برامج التمكين الاقتصادي الحقيقي وتآكل الثقة في السياسات الاجتماعية للحكومة فحين تُهدر الملايين على حفل شكلي بينما نساء القرى يعانين من العزلة ونساء الأحياء الهامشية يواجهن البطالة والعنف وغياب الخدمات فإن الرسالة السياسية تكون واضحة المال العام يُستعمل حيث توجد الكاميرات لا حيث توجد الحاجة

هذا النوع من القرارات يعمق الإحساس باللامساواة ويغذي العزوف السياسي لأنه يؤكد مرة أخرى أن الخطاب الاجتماعي للحكومة منفصل عن واقع الناس وأن مفهوم التضامن تحول إلى شعار فارغ يُستدعى عند المناسبات الرسمية ويُغيب عند صياغة الميزانيات والاختيارات

نحن أمام نموذج صارخ لتوظيف قضايا النساء في الصراع السياسي والانتخابي بدل جعلها أولوية تنموية حقيقية فتمكين المرأة لا يكون بحفل ولا بجائزة موسمية بل بسياسات عمومية مستدامة وبتمويل مباشر للجمعيات الجادة وبحماية اجتماعية واقتصادية تضمن للنساء حق العيش الكريم

ما وقع ليس خطأ تقنيا ولا سوء تقدير بل اختيار سياسي كامل الدلالة اختيار يضع الاستعراض فوق العدالة الاجتماعية ويكشف مرة أخرى كيف يُدار المال العام بعقلية انتخابية ضيقة في بلد تتسع فيه الهوة بين الخطاب الرسمي وواقع الهشاشة اليومية.

توقيع
0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
مباشر تبليغ
انضم للديسكورد