مخطط أخنوش لبيع الدولة بالتقسيط كيف تحولت “التمويلات المبتكرة” إلى خوصصة مقنّعة

منذ تنصيب حكومة عزيز أخنوش دخلت الدولة المغربية مرحلة جديدة من تدبير المال العام عنوانها العريض هو “التمويلات المبتكرة” ومضمونها الفعلي هو تفويت صامت وممنهج لأصول عمومية استراتيجية من مدارس ومستشفيات ومرافق حيوية في اتجاه القطاع الخاص دون نقاش عمومي ودون تفويض شعبي واضح ودون مساءلة سياسية حقيقية.
ما تروج له الحكومة باعتباره ابتكارا ماليا ليس في جوهره سوى آلية التفاف على مفهوم الدين العمومي وعلى الرقابة البرلمانية إذ يتم اقتراض أموال من مؤسسات عمومية تابعة للدولة نفسها مقابل فوائد مرتفعة تصل إلى ستة في المائة مع التزام بالكراء يمتد لخمسة وعشرين أو ثلاثين سنة وكأن الدولة تستدين من جيبها الأيسر لتسدد لجيبها الأيمن بثمن أعلى وعلى حساب المواطن.
الخطير في هذه الآلية ليس فقط كلفتها المالية الباهظة بل طبيعتها السياسية لأنها تفتح الباب لتحويل ملكية المرافق العمومية إلى أصول قابلة للتفويت النهائي في حال عجز المؤسسات العمومية المالكة الجديدة عن الصمود أمام الأزمات أو تحقيق التوازنات المالية المطلوبة وهو سيناريو واقعي في ظل هشاشة صناديق التقاعد واستثمارات صندوق الإيداع والتدبير في مشاريع فاشلة أو ضعيفة المردودية.
بهذا المعنى لا نتحدث عن تمويل مبتكر بل عن خوصصة مؤجلة ومقنّعة يتم تمريرها بلغة تقنية معقدة لإبعاد الرأي العام عن جوهر العملية وهو نقل عبء العجز المالي من الحكومة الحالية إلى الأجيال القادمة وتحويل الخدمات الاجتماعية من حق دستوري إلى سلعة خاضعة لمنطق السوق.
حسب تقديرات الخبراء من المنتظر أن تدر هذه الآلية على الدولة حوالي مئة وسبعين مليار درهم في أفق 2027 دون احتساب سنة 2028 لكن هذه الأموال ليست دخلا حقيقيا بل ديونا داخلية مقنّعة ستسددها الخزينة نفسها على مدى عقود بفوائد مرتفعة وهو ما يعني استنزافا طويل الأمد للميزانية العمومية وتقليصا لهوامش الاستثمار في الصحة والتعليم والبنيات الأساسية.
الأخطر أن الحكومة تروج لهذه الآلية باعتبارها حلا لتمويل الأوراش الاجتماعية الكبرى بينما الواقع يكشف أن هذه الأوراش نفسها تصبح رهينة لمنطق الربح والخسارة فكيف يمكن الحديث عن حماية اجتماعية أو تعليم عمومي قوي في ظل تفويت المدارس والمستشفيات وتحويلها إلى أصول مالية تخضع لحسابات المستثمرين.
ما يجري اليوم ليس مجرد خيار اقتصادي بل تحول سياسي عميق في علاقة الدولة بمواطنيها حيث يتم التخلي التدريجي عن دور الدولة الاجتماعية مقابل دولة محاسباتية تدير العجز بالأرقام وتغطي الخصاص ببيع الأصول بدل محاسبة السياسات الفاشلة أو فرض عدالة ضريبية حقيقية على الثروات الكبرى.
في غياب نقاش برلماني جدي وشفافية كاملة حول لوائح المرافق المعنية وشروط التفويت وآجال الكراء وكلفة الفوائد يصبح الحديث عن “التمويلات المبتكرة” مجرد غطاء لغوي لسياسة ليبرالية متوحشة تنقل كلفة الأزمة من القمة إلى القاعدة وتحوّل الحق في الصحة والتعليم إلى عبء مالي مؤجل.
ما تحتاجه البلاد اليوم ليس مزيدا من الحيل المحاسباتية بل شجاعة سياسية للاعتراف بفشل الاختيارات الاقتصادية الحالية وفتح نقاش وطني حول نموذج تنموي يعيد الاعتبار للخدمة العمومية باعتبارها استثمارا في الإنسان لا عبئا على الميزانية لأن الدول لا تبنى ببيع مدارسها ومستشفياتها بل بحمايتها وتطويرها وضمان ولوج عادل إليها خارج منطق السوق والربح.
حمدون القراص

