السلطة والناس

حين تنحدر السياسة ويصمت المجال العام

تشخيص أكاديمي يكشف عمق الأزمة السياسية بالمغرب

ما قاله عبد الله ساعف عن انحدار السياق السياسي في المغرب لا يمكن التعامل معه كملاحظة أكاديمية معزولة أو كحنين إلى زمن مضى بل هو تشخيص عميق لأزمة بنيوية تمس جوهر العلاقة بين الدولة والمجتمع وبين السياسة ومعناها في الوعي الجماعي. حين يقول أستاذ علم الاجتماع السياسي إن السياسة انتقلت من المركز إلى الهامش فهو لا يصف فقط تراجعا في الاهتمام بل يعلن عن اختلال خطير في وظيفة السياسة نفسها داخل المجتمع المغربي.

السياسة لم تختف لأنها فقدت أهميتها بل لأنها جرى تفريغها من مضمونها. حين تتحول الانتخابات إلى طقس إداري بلا رهانات وحين يصبح العمل الحزبي بلا أثر ملموس على السياسات العمومية وحين يتم التعامل مع الاحتجاج باعتباره تهديدا أمنيا لا تعبيرا اجتماعيا فإن السياسة تفقد قدرتها على التعبئة والإقناع وتتحول إلى مجال مغلق لا يثير سوى اللامبالاة أو السخرية.

وصف ساعف للسياسة بأنها نزلت إلى قسم الهواة يحمل دلالة قاسية لكنه واقعية. فالممارسة السياسية اليوم لم تعد مجالا للصراع حول المشاريع والاختيارات بل فضاء لتدبير التوازنات وتدوير النخب نفسها. هذا الانحدار لا يخص الفاعلين السياسيين وحدهم بل يطال أيضا المؤسسات التي فرغت السياسة من بعدها التداولي وحولتها إلى تقنية ضبط لا أداة تغيير.

في هذا السياق يصبح الاهتمام المتزايد بعلم السياسة مفارقة لافتة. فالإقبال على دراسة السياسة أكاديميا في زمن تراجعها عمليا يعكس ربما بحثا عن معنى مفقود أو محاولة لفهم انسداد الأفق. غير أن الخطر الذي يحذر منه ساعف هو أن يتحول هذا العلم بدوره إلى انعكاس للخطاب الرسمي بدل أن يكون أداة نقد وتحليل. حين تهيمن المواضيع المؤطرة رسميا على البحث العلمي ويتم تجاهل الزوايا الميتة يصبح علم السياسة جزءا من آلية التطبيع مع الواقع بدل مساءلته.

الإشكال هنا ليس في دراسة الانتخابات أو الدساتير أو الوحدة الترابية بل في الاقتصار عليها باعتبارها المواضيع الشرعية الوحيدة. السياسة الحقيقية توجد أيضا في الهامش في الاحتجاج في العزوف في الصمت وفي أشكال الرفض غير المؤطرة. تجاهل هذه المجالات هو تجاهل للواقع الاجتماعي كما هو لا كما يراد له أن يكون.

تشخيص ساعف يلتقي مع مؤشرات عديدة من بينها تراجع نسب المشاركة الانتخابية وتصاعد الاحتجاجات الاجتماعية وازدياد اللجوء إلى القضاء في قضايا التعبير. كلها علامات على أن السياسة لم تعد قناة لتصريف التوترات بل أصبحت جزءا من المشكلة. حين تغيب السياسة بمعناها التشاركي يحل محلها إما الاحتقان أو الانسحاب وكلاهما مؤشر على أزمة عميقة.

المسؤولية التي يتحدث عنها ساعف ليست فقط مسؤولية الباحثين بل مسؤولية الدولة أيضا. فإعادة الاعتبار للسياسة لا تتم عبر خطابات تحفيزية ولا عبر واجهات مؤسساتية بل عبر فتح المجال العام وضمان حرية التعبير والتنافس الحقيقي وربط المسؤولية بالمحاسبة. السياسة تزدهر حين يشعر المواطن أن صوته مسموع وأن مشاركته تحدث فرقا.

في النهاية ما يعيشه المغرب اليوم ليس عزوفا عن السياسة بل عزوفا عن سياسة بلا معنى. والانحدار الذي يتحدث عنه ساعف ليس قدرا بل نتيجة مسار طويل من إفراغ الفعل السياسي من مضمونه. استعادة السياسة تبدأ بالاعتراف بهذه الأزمة وبإعادة الاعتبار للسياسة كفضاء للصراع المشروع والاختلاف لا كأداة ضبط وإدارة. دون ذلك سيظل علم السياسة يدرس فراغا وستظل السياسة نفسها حاضرة فقط بوصفها ذكرى أو مادة أرشفية لا قوة حية في المجتمع.

محمد الهراس

توقيع
0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
مباشر تبليغ
انضم للديسكورد