
يكشف التقرير المشترك الصادر عن المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي ومنظمة اليونيسيف عن واقع مقلق للتعليم الأولي بالمغرب، واقع لا يمكن اختزاله في مؤشرات الولوج والتوسع العددي، بل يطرح بحدة سؤال العدالة الاجتماعية والإنصاف المجالي منذ السنوات الأولى من عمر الطفل. فالتقرير يبين أن الفوارق الاجتماعية والمجالية لا تبدأ في التعليم الإعدادي أو الثانوي كما كان يعتقد، بل تتشكل مبكرا في سن أربع وخمس سنوات، وتؤثر بشكل مباشر على مستوى التعلم والمسار الدراسي والفرص المستقبلية.
على المستوى الوطني، يبلغ المعدل العام لمهارات أطفال التعليم الأولي 62 نقطة من أصل 100، وهو ما يعكس مستوى إتقان جزئي، ويبرز أن التحدي لم يعد فقط في تعميم الولوج، بل في ضمان جودة التعلم. غير أن هذا المعدل يخفي تفاوتات عميقة بين الأطفال حسب الوسط الاجتماعي والمجالي ونوع التعليم.
في الوسط الحضري، حصل الأطفال على معدل متوسط بلغ 66 نقطة، مقابل 58 نقطة فقط في الوسط القروي. كما تجاوز 86 في المائة من أطفال المدن العتبة المتوسطة، في حين لم تتجاوز هذه النسبة 64 في المائة لدى أطفال القرى. هذه الأرقام تؤكد أن التوسع الكمي في التعليم الأولي بالمناطق القروية لم يواكبه تحسن مماثل في جودة التعلم، وأن البعد الترابي ما يزال عاملا حاسما في تحديد فرص الأطفال.
أما على المستوى الاجتماعي، فتظهر الفوارق بشكل أكثر حدة عند مقارنة أنماط التعليم. فقد سجل التعليم الأولي الخصوصي، الذي يستفيد منه 23 في المائة من الأطفال، أفضل النتائج بمعدل 71 نقطة. يليه التعليم الأولي غير المهيكل بنسبة 67 نقطة، ثم التعليم الأولي في إطار الشراكة بمعدل 61 نقطة، بينما حقق التعليم الأولي العمومي، الذي يحتضن نسبة مهمة من الأطفال، أدنى معدل بلغ 57 نقطة. ويشكل التعليم العمومي وتعليم الشراكة معا قرابة ثلثي الأطفال المستفيدين، ما يعني أن الأغلبية تبدأ مسارها التعليمي من موقع ضعف بنيوي.
ويكشف التقرير أن 70 في المائة من أطفال التعليم الأولي ينحدرون من أسر يقل دخلها الشهري عن 5000 درهم، في حين تلجأ الأسر الميسورة إلى التعليم الخصوصي. هذا التفاوت الاجتماعي ينعكس مباشرة على النتائج، إذ يبلغ الفارق في الأداء بين الأطفال المنحدرين من أسر ميسورة ونظرائهم من أسر فقيرة حوالي 12 نقطة. كما أن القراءة للأطفال داخل المنزل تظل ممارسة نادرة، وتتناقص كلما انخفض مستوى دخل الأسرة، ما يكرس الفجوة اللغوية والمعرفية منذ الطفولة المبكرة.
وعلى مستوى الكفايات، يميز التقرير بين أربعة مجالات أساسية. فقد حصل الأطفال على معدل 68 نقطة في النمو الاجتماعي العاطفي، و65 نقطة في المهارات ما قبل الرياضيات، و60 نقطة في الوظائف التنفيذية، بينما لم تتجاوز مهارات القراءة والكتابة المبكرة 56 نقطة، وهي أدنى النتائج المسجلة، خصوصا لدى أطفال التعليم العمومي والقروي.
رغم هذا الواقع، يسجل التقرير تحسنا ملحوظا في مؤشرات التمدرس. فقد ارتفعت نسبة التمدرس لدى الأطفال بين 4 و5 سنوات من 50.2 في المائة إلى 70.4 في المائة خلال العقد الأخير. كما ارتفع عدد وحدات التعليم الأولي من 6185 وحدة خلال موسم 2018-2019 إلى 23182 وحدة خلال موسم 2024-2025، مع تراجع التعليم الأولي غير المهيكل بنسبة 74 في المائة، وانتقاله من 18882 وحدة إلى 4946 وحدة. وبلغ العدد الإجمالي لمؤسسات التعليم الأولي 32610 مؤسسة.
كما ارتفع عدد المربيات والمربين من 39535 إلى 49885 خلال نفس الفترة، مع طابع نسوي واضح للقطاع، إذ تشكل النساء 90 في المائة من الأطر في الوسط الحضري و81 في المائة في الوسط القروي. ورافق هذا التوسع ارتفاع في الميزانية العمومية المخصصة للتعليم الأولي من 1.13 مليار درهم سنة 2019 إلى حوالي 3 مليارات درهم سنة 2025، أي بزيادة بلغت 164 في المائة خلال ست سنوات.
غير أن التقرير ينبه إلى أن هذا الاستثمار المالي لم يواكبه توحيد في آليات الحكامة، إذ يؤدي غياب إطار موحد للموازنة وتعدد مسارات التمويل وكثرة المتدخلين إلى فوارق جهوية واضحة، ويعقد عملية تتبع الموارد والتخطيط بعيد المدى. كما يظل الإطار المهني للمربيات والمربين غير موحد، سواء من حيث العقود أو الأجور، ما يؤثر على استقرار وجودة التأطير التربوي.
في المحصلة، يخلص التقرير إلى أن التعليم الأولي بالمغرب، رغم التقدم الكمي المسجل، ما يزال عاجزا عن لعب دوره كرافعة للإنصاف الاجتماعي. فبدل أن يكون نقطة انطلاق متكافئة لجميع الأطفال، أصبح في كثير من الحالات آلية لإعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية والمجالية. وهو ما يجعل إصلاح التعليم الأولي ليس قضية تربوية فقط، بل رهانا سياسيا واجتماعيا مرتبطا بمستقبل العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص في المغرب.
المصادر :
– المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي
– منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)
– معطيات وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة
– قوانين المالية 2019–2025

