رحيل الجواهري في زمن الانكماش السياسي
حين يتغير حارس النقد وتبقى أزمة الحرية قائمة
يأتي الحديث عن مغادرة عبد اللطيف الجواهري لمنصبه على رأس بنك المغرب في لحظة دقيقة لا يمكن عزلها عن السياق العام الذي يعيشه المغرب اليوم سياق يتسم بتراجع مؤشرات الحرية وتآكل الثقة في المؤسسات وتنامي الإحساس بانغلاق الأفق السياسي والاجتماعي.
الجواهري الذي قاد البنك المركزي لأكثر من عقدين ارتبط اسمه بالاستقرار النقدي وبخطاب الاستقلالية التقنية للمؤسسة عن التجاذبات السياسية غير أن هذا الاستقرار المالي لم يواكبه للأسف استقرار مواز في المجال الحقوقي والديمقراطي وهو ما تعكسه بوضوح التقارير الدولية الأخيرة التي تضع المغرب في مراتب متأخرة في مؤشرات الحرية الفردية وحرية التعبير والمشاركة السياسية.
في الوقت الذي حافظ فيه بنك المغرب على صورة مؤسسة منضبطة ومحافظة على توازناتها ظلت باقي المؤسسات تعاني من أعطاب عميقة مرتبطة بتضييق المجال العام وتجريم الرأي وارتفاع منسوب المتابعات القضائية في قضايا التعبير والاحتجاج وهو ما خلق مفارقة صارخة بين استقرار نقدي معلن وانكماش سياسي محسوس.
الحديث عن تعيين وال جديد أو تمديد ولاية الجواهري يفتح نقاشا أوسع من مجرد تغيير إداري إذ يطرح سؤالا جوهريا حول طبيعة الاختيارات الكبرى للدولة هل نحن أمام لحظة تجديد حقيقي تشمل الاقتصاد والسياسة والحقوق أم مجرد إعادة ترتيب داخل نفس المنظومة التي تدير الاستقرار المالي مقابل كلفة اجتماعية وحقوقية متزايدة.
مؤشرات الحرية لا تتراجع بمعزل عن السياسات الاقتصادية فحين يشعر المواطن أن صوته مقيد وأن الاحتجاج مكلف وأن الإعلام محاصر تتحول الاستقلالية التقنية للمؤسسات إلى استقلالية معزولة عن المجتمع وتفقد معناها الديمقراطي مهما بلغت نجاعتها الحسابية.
رحيل الجواهري إن تم سيشكل نهاية مرحلة لكنه لن يكون في حد ذاته مؤشرا على التحول ما لم يواكبه نقاش شجاع حول طبيعة النموذج الذي نريده هل هو نموذج يكتفي بتدبير التوازنات الماكرو اقتصادية أم نموذج يربط الاستقرار المالي بالحرية السياسية والعدالة الاجتماعية والمحاسبة.
في زمن تتراجع فيه مؤشرات الحرية يصبح تغيير الأشخاص غير كاف إذا لم يتغير منطق الحكم نفسه فالدول لا تقاس فقط بقوة عملتها أو صرامة بنوكها المركزية بل بمدى احترامها لمواطنيها وقدرتها على فتح المجال العام وضمان الحق في الاختلاف والمشاركة.
من هذه الزاوية لا يمكن قراءة ملف الجواهري بمعزل عن السياق العام فالمغرب اليوم في حاجة إلى انتقال مزدوج انتقال في النخب الاقتصادية وانتقال أعمق في منسوب الحرية لأن الاستقرار الحقيقي لا يصنعه بنك مركزي قوي فقط بل مجتمع حر ومؤسسات خاضعة للمساءلة وثقة متبادلة بين الدولة والمواطنين.
حمدون القراص

