الافتتاحية

لماذا تفشل المحاسبة في قضايا الانتهاكات الحقوقية

تكشف الارقام التي اعلنت عنها رئاسة النيابة العامة بخصوص شكايات التعذيب والعنف والاعتقال التعسفي خلال سنة 2024 عن مفارقة صارخة بين ما ينص عليه دستور 2011 وما يعيشه الواقع الحقوقي فعليا فحين يتم تسجيل مئات الشكايات والفحوص الطبية وتنتهي الغالبية الساحقة منها بالحفظ بسبب انعدام الاثبات يصبح من المشروع التساؤل عن جدوى هذه الاليات وعن مدى قدرتها على حماية الحقوق كما وعد بها الدستور.

دستور 2011 لم يكن مجرد وثيقة سياسية عابرة بل تعاقدا واضحا بين الدولة والمجتمع نص صراحة على صيانة الكرامة الانسانية وتجريم التعذيب وضمان قرينة البراءة وربط المسؤولية بالمحاسبة غير ان الممارسة تكشف ان هذا التعاقد ظل في كثير من جوانبه معلقا فحين تتحول الشكايات الى ارقام تقنية وحين يصبح الحفظ هو المخرج شبه الوحيد تفقد العدالة معناها الردعي والانصافي معا.

الاشكال هنا لا يتعلق فقط بعدد القضايا التي لم تثبت بل بالسياق الذي تنتج فيه هذه النتائج فاثبات التعذيب او العنف او الاعتقال التعسفي ليس مسالة تقنية بسيطة بل يتطلب ارادة سياسية واضحة لضمان استقلالية البحث وحماية المشتكين من الضغط والخوف وتوفير شروط فعلية لتكافؤ الاطراف وهو ما يبدو غائبا او ضعيفا في اغلب الحالات

حين تسجل سبع شكايات تعذيب ولا تنتهي الا واحدة منها بالبحث المستمر وحين يتم حفظ عشرات الشكايات المتعلقة بالعنف رغم وجود فحوص طبية فان الرسالة التي تصل الى المجتمع ليست رسالة طمأنة بل رسالة تشكيك في امكانية الانصاف وهذا ما ينعكس مباشرة على مؤشرات الحرية التي تضع المغرب في مراتب متاخرة رغم الخطاب الرسمي المتفائل

التقارير الدولية لا تصدر احكاما اخلاقية بل تقيس الوقائع حين تسجل تراجعا في الحرية الفردية فذلك مرتبط مباشرة بضعف المحاسبة وبشعور المواطنين بان حقوقهم لا تجد الحماية الكافية حين يتعلق الامر بجهات تملك السلطة والنفوذ وهذا ما تؤكده هذه الارقام بشكل غير مباشر.

المحاسبة ليست شعارا ولا بلاغا سنويا بل ممارسة يومية يشعر بها المواطن حين يرى ان القانون يطبق على الجميع بنفس الصرامة وان كرامته مصانة فعلا لا نظريا اما حين تتراكم ملفات الحفظ دون نقاش عمومي ودون مساءلة سياسية فان الثقة تتاكل ويصبح الدستور نفسه محل تساؤل.

الاخطر في هذا المسار انه يكرس فجوة متزايدة بين الدولة والمجتمع فالمواطن الذي يلجا الى القضاء بحثا عن الانصاف ولا يجده يفقد الثقة ليس فقط في مؤسسة بعينها بل في المنظومة ككل وهذا ما يهدد الاستقرار الحقيقي الذي لا يبنى بالقمع ولا بالتجاهل بل بالعدالة والشفافية.

بعد اكثر من عقد على دستور 2011 لم يعد مقبولا الاكتفاء بالحديث عن الاصلاح دون مراجعة جريئة لكيفية تنزيله فحماية الحقوق لا تتحقق بتسجيل الشكايات بل بضمان نتائجها ولا تقاس بعدد الفحوص الطبية بل بقدرتها على كشف الحقيقة وترتيب المسؤوليات.

اذا كان المغرب حريصا فعلا على تحسين موقعه في مؤشرات الحرية وعلى استعادة ثقة مواطنيه فان الطريق واضح تعزيز استقلالية التحقيق ضمان حماية المشتكين فتح نقاش سياسي صريح حول الافلات من العقاب وتحويل الدستور من مرجعية خطابية الى ممارسة يومية يشعر بها الجميع دون استثناء.

المصدر الرئيسي:

التقرير السنوي لرئاسة النيابة العامة 

تقارير دولية:
منظمة العفو الدولية
هيومن رايتس ووتش
تقارير الامم المتحدة حول عقوبة الاعدام والاحتجاز

توقيع
0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
مباشر تبليغ
انضم للديسكورد