تشريع بلا مشاركة وسجون بلا رأي: المغرب أمام منعطف حقوقي خطير

ما جاء في بلاغ الفضاء المغربي لحقوق الإنسان لا يمكن قراءته كبيان احتجاجي عابر، ولا كخطاب حقوقي تقليدي اعتدنا سماعه في لحظات التوتر. نحن أمام تشخيص سياسي صريح يضع الإصبع على جوهر الأزمة: تحوّل التشريع من مجال للتوافق المجتمعي إلى أداة ضبط سلطوي، وتحوّل الدولة من حكمٍ يُفترض أن يوازن بين السلطات إلى سلطة تُراكم القرار وتُقصي المجتمع.
الحديث عن “استفراد الحكومة بالعملية التشريعية” ليس توصيفًا بلاغيًا، بل توصيف دقيق لمسار واضح. قوانين كبرى تمسّ جوهر الحريات الفردية والجماعية، من المسطرة الجنائية إلى قانون الإضراب، ومن العقوبات البديلة إلى مشاريع تمسّ مهنة المحاماة والقضاء، تُمرَّر بمنطق السرعة والتحكم، لا بمنطق النقاش العمومي ولا المشاركة الدستورية. البرلمان، في هذا السياق، لم يعد فضاءً للتداول، بل غرفة تسجيل، والمعارضة وُضعت في موقع المتفرج العاجز، والمجتمع المدني أُبعد عن التأثير الحقيقي.
الأخطر في هذا المسار ليس فقط مضمون القوانين، بل الفلسفة التي تحكمها. فلسفة ترى في المواطن عنصرًا يجب ضبطه لا شريكًا يجب إشراكه، وفي الاحتجاج خطرًا أمنيًا لا حقًا سياسيًا، وفي الحريات هامشًا قابلًا للتقليص كلما اقتضت “الظروف”. هكذا يصبح القانون وسيلة لحماية الأقوى داخل المجتمع، لا أداة لإنصاف الأضعف، وتتحول الدولة من ضامن للحقوق إلى طرف في تقليصها.
لائحة المعتقلين التي استحضرها البلاغ ليست تفصيلًا، بل مرآة لهذا الاختيار. حين يجتمع في السجون محامون، صحافيون، نشطاء، أساتذة، وشباب خرجوا للاحتجاج، فالمسألة لم تعد تتعلق بأخطاء فردية أو ملفات معزولة، بل بنمط تعامل ممنهج مع الاختلاف والمعارضة. الإنكار الرسمي لوجود معتقلي رأي لا يغيّر من الواقع شيئًا، لأن الوقائع، والسياق، وطبيعة التهم، كلها تشير إلى تضييق متصاعد على حرية التعبير والتنظيم.
الدعوة إلى “انفراج حقوقي وسياسي” ليست مطلبًا ترفيًا ولا شعارًا أيديولوجيًا، بل شرطًا للاستقرار نفسه. لا يمكن بناء اقتصاد قوي في ظل انسداد سياسي، ولا يمكن إقناع الشباب بالمشاركة في الشأن العام وهم يرون زملاءهم يُتابعون أو يُعتقلون بسبب رأي أو احتجاج. الاحتقان لا يُدار بالأمن وحده، بل بالحوار، وبإعادة الاعتبار للسياسة كفضاء للتفاوض لا كخطر يجب تحييده.
ربط البلاغ بين الوضع الداخلي والسياق الدولي ليس اعتباطيًا. حين ينهار القانون الدولي، وتُكافأ القوة، ويُترك الضعفاء لمصيرهم، تميل الأنظمة إلى استنساخ هذا المنطق داخليًا. لكن هذا المنطق، مهما بدا قويًا على المدى القصير، يزرع هشاشة عميقة على المدى البعيد. لأن الدولة التي لا تسمع لمجتمعها، تفقد تدريجيًا قدرتها على الإقناع، ثم على الضبط، ثم على الاستمرار.
الإنصات الذي يطالب به الفضاء الحقوقي ليس ضعفًا، بل قوة سياسية. الإفراج عن معتقلي الرأي، وقف منطق التشريع الأحادي، فتح نقاش عمومي حقيقي حول القوانين الخلافية، واحترام الحق في الاحتجاج السلمي، كلها خطوات لا تهدد الدولة، بل تحميها من نفسها. أما الاستمرار في منطق التحكم، فليس سوى تأجيل لأزمة أكبر، بثمن أعلى.
في النهاية، ما يطرحه هذا البلاغ ليس سؤال حقوقيين فقط، بل سؤال مجتمع كامل:
هل نريد دولة قانون تُبنى بالتوافق والمشاركة، أم دولة أوامر تُدار بالتشريع من فوق؟
الجواب عن هذا السؤال هو ما سيحدد شكل المغرب في السنوات القادمة، أكثر من أي رقم اقتصادي أو خطاب رسمي.

