أحكام قاسية في حق شباب “جيل زد”: حين يُجرَّم الاحتجاج السلمي وتُختزل الحقوق في النصوص

أصدرت غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بمراكش، اليوم الثلاثاء، أحكاماً قضائية جديدة في حق 37 شاباً على خلفية احتجاجات “جيل زد”، تراوحت بين سنة وست سنوات سجناً نافذاً، مرفوقة بغرامات مالية وتعويضات جماعية ثقيلة تُقدَّر بمئات الآلاف من الدراهم. وقد توزعت الأحكام بين 11 شاباً حُكم عليهم بست سنوات سجناً، و26 آخرين بسنة واحدة، على خلفية تهم من قبيل “العصيان”، و“تخريب ممتلكات عامة”، و“إهانة موظفين عموميين”، و“المشاركة في تجمهر مسلح”، و“تنظيم مظاهرة غير مرخصة”.

وتأتي هذه الأحكام في سياق يطرح تناقضاً صارخاً مع الضمانات الدستورية التي يكفلها الدستور المغربي، وعلى رأسها الحق في حرية التعبير والتظاهر السلمي المنصوص عليه في الفصل 25. إذ تحوّلت مطالب شبابية اجتماعية مشروعة، ترفع شعارات محاربة الفساد والدفاع عن الكرامة والعدالة الاجتماعية، إلى ملفات قضائية تُجرِّم الحراك السلمي، وتُحوِّل المحتجّين من أصحاب مطالب إلى متهمين بجرائم ثقيلة، في مقاربة تُضخِّم وقائع محدودة وتفرغ الاحتجاج من طابعه الحقوقي.
وبدل فتح قنوات الحوار الجاد مع الشباب، والاستجابة للمطالب الاجتماعية المتراكمة، اختارت السلطات الأمنية والقضائية نهج الردع والترهيب الجماعي، عبر أحكام وُصفت من طرف متابعين وحقوقيين بـ“المبالغ في قسوتها”، وغرامات مالية خيالية لا تتناسب مع طبيعة الأفعال المنسوبة. هذا النهج لا يعكس فقط تضييقاً على الحريات، بل يُوحي بمحاولة ممنهجة لإعادة تعريف الاحتجاج باعتباره تهديداً أمنياً، عوض اعتباره تعبيراً مشروعاً عن اختلالات بنيوية.
وعلى إثر هذه الأحكام، نظّمت عائلات الشبان المحكومين، إلى جانب نشطاء حقوقيين، وقفة احتجاجية عبّروا فيها عن إدانتهم لما اعتبروه “أحكاماً جائرة”، مطالبين ببراءة جميع المتابعين، وبالتعامل المسؤول مع المطالب الاجتماعية العادلة بدل الزج بالشباب في السجون. مشهد يعكس مرة أخرى مأزق المقاربة الأمنية في تدبير الحراك الاجتماعي، ويعيد إلى الواجهة سؤال العلاقة بين الدولة والمواطن، حين تُستبدل آليات الإنصات والحوار بأدوات القمع والمتابعة القضائية.
إن هذه الأحكام، بما تحمله من رسائل تخويف، لا تهدد فقط مستقبل عشرات الشباب، بل تُنذر بتوسيع فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع، وتبعث بإشارة سلبية لكل من يفكر في التعبير السلمي عن مطالبه. فحرية الاحتجاج ليست منّة، بل حق دستوري وأساس لأي استقرار حقيقي قائم على العدالة والإنصاف، لا على الردع والصمت المفروض.
الحرية للمعتقلين… والكرامة للعدالة.

