آخر كلام

رسالة من الزنزانة إلى المنصة: حين يواجه الخطاب الشعبي السياسة بلا وسائط

أعاد نشر الرسالة الأخيرة التي وجّهها ناصر الزفزافي إلى عبد الإله بن كيران فتح جرحٍ لم يندمل في العلاقة بين الخطاب السياسي الحزبي والخطاب الشعبي الاحتجاجي في المغرب. لم تكن الرسالة عابرة، ولا مجرد ردّ فعل انفعالي، بل جاءت قوية اللهجة، مباشرة، وصادمة، ما جعل صداها يتجاوز حدود الخلاف الشخصي ليطرح سؤالاً أعمق: من يملك اليوم شرعية الكلام باسم الناس؟

الرسالة، التي اطّلع عليها الرأي العام خلال هذا الشهر، جاءت عقب تصريحات لبن كيران تناول فيها ظروف خروج الزفزافي من السجن لحضور جنازة والده، في سياق اعتبره المعني بالأمر تحريفاً للوقائع وتوظيفاً سياسياً لمعاناة إنسانية. من داخل السجن، كتب الزفزافي نصاً لا يشبه البيانات الحزبية ولا لغة المجاملات، بل نصاً غاضباً، قاطعاً، ومشحوناً بإحساس عميق بالخذلان.

مواجهة كلامية عن بُعد بين ناصر الزفزافي وعبد الإله بنكيران

ما ميّز هذه الرسالة ليس فقط حدّتها، بل موقعها الرمزي. سجين رأي، محكوم بعقوبة ثقيلة، يخاطب رئيس حكومة سابقاً وزعيم حزب ذي مرجعية إسلامية، بلغة تنزع عنه كل هالة أخلاقية، وتضعه في موضع المساءلة المباشرة. حين استعمل الزفزافي عبارات قاسية، لم يكن يخاطب بن كيران بصفته فرداً، بل باعتباره تجسيداً لنمط سياسي يرى فيه ازدواجية مزمنة بين الخطاب الأخلاقي والممارسة السياسية، وبين الوعظ من المنابر والبراغماتية في لحظات القرار.

صدى الرسالة كان لافتاً. انقسم الرأي العام بين من رأى فيها صوتاً صادقاً لمقهور لم يعد يملك سوى الكلمة، ومن اعتبرها تعبيراً عن احتقان قد يخرج عن حدود اللياقة السياسية. غير أن هذا الانقسام ذاته يكشف جوهر الأزمة: أزمة ثقة متراكمة بين فئات واسعة من المجتمع وبين النخب السياسية التي تعاقبت على تدبير الشأن العام دون أن تنجح في إقناع الناس بأنها تمثلهم فعلاً.

في العمق، لا يمكن قراءة رسالة الزفزافي بمعزل عن مسار حراك الريف وما تلاه. فذلك الحراك لم يكن فقط احتجاجاً اجتماعياً على التهميش، بل كان لحظة كاشفة لانفصالٍ متزايد بين لغة الشارع ولغة المؤسسات. وعندما جاء جزء من الخطاب السياسي آنذاك مائلاً إلى التبرير، أو التهوين، أو الوعظ الأخلاقي، ترسّخ لدى كثيرين شعورٌ بأن السياسة لم تعد تُنصت بقدر ما تُحاضر.

رسالة الزفزافي أعادت هذا الإحساس إلى الواجهة، ولكن بحدّة أكبر، لأنها صادرة من شخص دفع ثمن المواجهة كاملة: السجن، العزلة، والفقد. لذلك بدت وكأنها محاكمة أخلاقية أكثر منها سجالاً سياسياً. محاكمة لا تسأل عن البرامج ولا عن الحسابات الانتخابية، بل عن المواقف في لحظات الاختبار، وعن معنى الصدق حين تتعارض السياسة مع الإنسانية.

في المغرب اليوم، يتّسع هذا الشرخ بين خطاب يقول ما يعتقد أنه “ممكن سياسياً”، وخطاب آخر يقول ما يراه “واجباً أخلاقياً”، حتى وإن كان ثمنه باهظاً. وبين الاثنين، يقف الرأي العام حائراً: هل يُنصت لمن يتكلم من المنصة، أم لمن يكتب من الزنزانة؟

قد تُنسى هذه الرسالة مع مرور الزمن، كما نُسيت رسائل ومواقف سابقة، لكن دلالتها ستبقى. فهي تقول، بوضوح مؤلم، إن اللغة التي لا تُقنع الشارع، مهما كانت شرعيتها الانتخابية، ستظل مهددة بالرفض. وتقول أيضاً إن الخطاب الشعبي، حين يُقصى طويلاً، يعود غالباً بلا رتوش… وبلا مجاملات.

في النهاية، ليست رسالة ناصر الزفزافي مجرد خلاف مع عبد الإله بن كيران، بل هي مرآة لوضع سياسي مأزوم، حيث لم يعد الصمت خياراً، ولم تعد الكلمات تُقاس بنعومتها، بل بصدقها، وبالجرأة على قول ما لا تريد السياسة سماعه.

توقيع
0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
مباشر تبليغ
انضم للديسكورد