المجتمع في المفترق

“البحر المسروق: بين الأمواج والسموم… سواحل تصرخ بصوتٍ لا يُسمع”

دموع الموج وأثر السموم

على امتداد السواحل المغربية، من الشمال حتى الجنوب، لم يعد البحر هو البحر الذي عرفه المغاربة. مياه تغيّرت، ورائحة نفَذَ إليها العبث البشري، وأمواج تحمل ما هو أكثر من الملح… تحمل وجعاً صارخاً يُخفيه السطح ولا تكشفه إلا التفاصيل الصغيرة: الأسماك التي تهرب نحو الشاطئ بدل الأعماق، الرمال التي تفقد صلابتها التاريخية، والطيور البحرية التي تصرخ بدل أن تغني.

في جولة على عدد من السواحل، يلاحظ كل زائر أن البحر اليوم يبدو مُثقلاً. أمواجه لم تعد تحمل تلك البشاشة المعتادة، بل صارت أقرب إلى رسائل غضب متقطعة. مشاهد كثيرة توحي بما هو أعمق: مياه معكرة، رغوة غير طبيعية، بقايا نفايات صناعية، وأصوات الطيور التي تغيرت نبرتها وكأنها تنادي أحداً ما أن يتدخل قبل فوات الأوان.

البيئة البحرية في المغرب تواجه تحديات متصاعدة. الخبراء البيئيون يتحدثون عن مستويات مقلقة من التلوث الصناعي والبلاستيكي، وعن استنزاف غير مسبوق للثروة السمكية، وعن سلوكيات بشرية أصبحت تتعامل مع البحر لا كفضاء حي، بل كـ“وعاء كبير” يُرمى فيه كل ما يفيض عن البر. وإذا كانت البيانات العلمية تشير إلى تراجع بعض الأصناف البحرية بشكل خطير، فإن مشاهد الواقع تكشف الجانب الإنساني لهذه الأزمة.

الصيادون، الذين عاشوا دهوراً على نبض المد والجزر، يؤكدون أن البحر “غاضب”. يقول أحدهم إن الأسماك لم تعد تأتي كما كانت، وإن البحر أصبح “ثقيل النفس”، وإن الشباك كثيراً ما تعود فارغة أو محملة بأشياء لا علاقة لها بالحياة البحرية. بينما يضيف آخر، بمرارة أكبر، أن السواحل “جاعت”، وأن ما يجري اليوم “سرقة صامتة” لروح البحر، سرقة تستنزف رزق الناس وكرامة مناطق بأكملها.

التلوث يُعتبر أحد أبرز أسباب هذا الانهيار، حيث تشير التقارير إلى أن عدداً من المصانع ما تزال تقذف نفاياتها بشكل غير مراقب نحو مجاري تُفضي مباشرة إلى البحر. هذا التراكم السام لا يضر فقط بالكائنات البحرية، بل يهدد صحة الإنسان أيضاً، ويضرب السياحة الساحلية، وقدرة المدن الساحلية على استقطاب التنمية.

غير أن القضية لا تتوقف عند التلوث فقط. هناك أيضاً نهب الرمال الذي دمّر أجزاء واسعة من الشواطئ، والمتاجرة غير القانونية في الثروة البحرية، واستنزاف شريط الساحل عبر مشاريع لا تحترم التوازن البيئي. وبين كل هذه العوامل، يبدو البحر كجسد ضخم يتلقى الضربات واحدة تلو الأخرى… دون أن يجد من يصغي إلى أنينه.

ورغم هذا الواقع القاتم، يظل البحر—بطريقته الغامضة—يرسل إشارات أمل. أمواجه، التي تبدو أحياناً وكأنها تحتضر، تعود لحظات لتقف في وجه الخراب. الطبيعة، كما يقول علماء البيئة، تملك قدرة على التعافي إذا أُتيحت لها الفرصة، وإذا توقف الإنسان قليلاً عن التعامل معها بمنطق القوة والملكية.

لكن هذا “الأمل” ليس بطاقة مجانية. يحتاج إلى وعي، وإلى قرارات سياسية صارمة، وإلى مراقبة بيئية حقيقية، وإلى مجتمع يفهم أن البحر ليس مجرد منظر طبيعي، بل شريان حياة، ورئة تتنفس منها البلاد، وذاكرة ممتدة نحو أجيال عاشته نظيفاً وقوياً.

البحر اليوم ليس محتاجاً لمن يصف حاله بكلمات جميلة، بل محتاج لمن ينقذه.
محتاج لمن يوقف هذا الانهيار البيئي بصوت صريح:
البحر يُنهَب… والطبيعة تستغيث.

وحين يسأل أحدهم: “مالك يا بحر؟”
فالجواب، بكل بساطة، أننا نحن المشكلة… ونحن وحدنا من يمكن أن يكون الحل.

توقيع
0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
مباشر تبليغ
انضم للديسكورد