آخر كلام

“جبروت” والتسريبات الغامضة: اختراق سيبراني أم حرب ثقة ضد الدولة؟

في الأسابيع الأخيرة، عاد ملف الهجمات السيبرانية إلى واجهة النقاش العمومي في المغرب، بعد تداول واسع لوثائق قيل إنها مسرّبة من مؤسسات عمومية حساسة، وربطها باسم مجموعة تطلق على نفسها “جبروت”. ومع كل دفعة جديدة من الملفات التي تظهر على منصات التواصل، يتجدد السؤال نفسه بشكل أكثر إلحاحًا: هل نحن أمام اختراق فعلي يفضح هشاشة الأمن السيبراني المغربي؟ أم أمام حملة تضليل رقمية هدفها ضرب الثقة أكثر من كشف الحقيقة؟

ما يجعل هذا النوع من القضايا خطيرًا ليس فقط حجم الضجة التي يخلقها، بل طبيعة الأثر الذي يتركه على مستوى أعمق: أثر نفسي ومؤسساتي، لأنه يمس صورة الدولة، ويصيب المواطن في قلب إحساسه بالأمان الرقمي، ويؤسس لانطباع عام بأن المعطيات الشخصية أصبحت في مهب الريح، حتى قبل أن تتأكد الوقائع بشكل نهائي.

اللافت أن القضية لم تتحول إلى نقاش تقني صرف كما يفترض، بل تحولت بسرعة إلى مادة شعبية قابلة للاستهلاك السريع: صور لوثائق، تسريبات متفرقة، حسابات تنشر وتختفي، روايات متضاربة، وتعليقات مليئة بالسخرية أحيانًا وبالخوف أحيانًا أخرى. وفي هذا الجو، يصبح الحد الفاصل بين “المعلومة” و”الإشاعة” ضعيفًا، وبين “الاختراق” و”التضليل” ملتبسًا، وبين “التحليل” و”التجييش” شبه معدوم.

المواطن في النهاية لا يملك الأدوات التقنية التي تجعله يحسم صحة الوثيقة من عدمها، لذلك يعتمد على الانطباع. والانطباع غالبًا ما تصنعه مواقع التواصل لا المؤسسات. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية: حين تفقد الدولة المبادرة في تفسير ما يحدث، يصبح الفضاء الرقمي هو الذي يكتب القصة ويحدد المتهم ويصنع الخوف ويضبط المزاج العام.

تسريبات كثيرة… ومعايير إثبات ضعيفة

من الناحية التقنية، الاختراق السيبراني ليس مجرد “نشر وثيقة” أو “عرض معطيات”. الاختراق فعل رقمي يترك أثرا، ويمكن تتبعه عبر مؤشرات محددة ومسارات واضحة. لكن أغلب ما يتم تداوله في هذه الحالة يُقدَّم بشكل خام، دون سياق، ودون شرح للأصل، ودون أي دليل رقمي نهائي يثبت أن قاعدة بيانات مركزية قد تم اختراقها فعلا.

وهذا يفتح الباب أمام احتمالين: إما أن هناك اختراقات جزئية وغير مباشرة تم تضخيمها، أو أن جزءًا من الوثائق قديم أو مجتزأ أو تم إعادة تركيبه لإعطاء انطباع بوجود اختراق شامل. وفي الحالتين، النتيجة واحدة: ضرب الثقة، وإرباك الرأي العام، وخلق شعور بأن الدولة “مكشوفة”.

والمشكلة أن الناس، في العادة، لا تميز بين تسريب جزئي وبين انهيار منظومة كاملة. لأن صورة التسريب على الإنترنت لا تقيس حجم الضرر الفعلي، بل تقيس فقط مستوى الصدمة. وثيقة واحدة في توقيت محسوب قد تفعل ما لا تفعله مائة هجمة بلا ضجيج.

صمت رسمي يفتح السوق أمام الروايات

في مثل هذه القضايا، التواصل الرسمي ليس تفصيلا ثانويا. هو جزء من حماية الأمن العام. لأن الأمن السيبراني اليوم ليس فقط حماية خوادم، بل حماية ثقة المجتمع في الدولة. وحين يتأخر التواصل أو يأتي في صيغة “نفي عام” دون تفاصيل، يظهر فراغ معلوماتي يتحول إلى سوق مفتوحة للشائعات.

قد تخرج مؤسسة رسمية وتقول إن قواعد البيانات لم تُخترق. لكن المواطن يسأل ببساطة: إذن من أين جاءت الوثائق؟ هل هي مزورة؟ هل هي مسروقة من مصدر ثانوي؟ هل هو تسريب داخلي؟ هل هناك شركات متعاقدة وقع فيها الاختراق؟ هل يتم التحقيق؟ هل هناك إجراءات لحماية معطياتي؟

حين لا توجد أجوبة واضحة، يصبح النفي مجرد عبارة باردة لا تقنع أحدا، لأن الناس لا تريد نفيًا فقط، بل تريد تفسيرًا. وفي زمن التسريبات الرقمية، الدولة التي تشرح أقل تخسر أكثر، حتى لو كانت بريئة من الاختراق.

الأمن السيبراني لم يعد تقنية… بل سيادة

الدول اليوم لا تُقاس فقط بقوة اقتصادها ولا بحجم جيشها، بل أيضا بقدرتها على حماية بياناتها. لأن البيانات أصبحت ثروة، وأصبحت جزءًا من السيادة. وأي ضربة في هذا المجال ليست تقنية فقط، بل سياسية لأنها تمس صورة الدولة أمام شركائها، وتمس ثقة المستثمرين، وتمس مصداقية الإدارة الرقمية التي تقول للمواطن “أرسل وثائقك عبر الإنترنت”.

وحين يتزعزع هذا الجانب، يصبح التحول الرقمي كله مهددا، ليس لأن التكنولوجيا فشلت، بل لأن الثقة تنهار. وهذا ما يجعل بعض الخبراء يتحدثون عن تحول نوعي في الحروب الحديثة: حروب لا تستهدف إسقاط الدولة مباشرة، بل تستهدف إنهاكها نفسيًا، وإشعار المواطن أن دولته عاجزة عن حماية أبسط شيء: بياناته.

حرب سيبرانية أم حرب نفسية؟

ليس من الضروري أن تكون كل الوثائق المسربة صحيحة لكي تتحقق النتيجة. يكفي أحيانا أن تكون نسبة منها صحيحة. يكفي أن يكون هناك تسريب واحد حقيقي ثم يُبنى فوقه ضجيج ضخم وتضاف إليه ملفات أخرى مشكوك فيها، لكي تصبح القصة أقوى من الوقائع.

هذه إحدى تقنيات الحرب النفسية الرقمية: خلط الحقيقة بالضباب. تسريب معلومة صحيحة مع عشر روايات مضخمة يحقق هدفا مزدوجا: يربك الدولة، ويفقد المواطن القدرة على التمييز، ويخلق شعورا عاما بأن “كل شيء مخترق” حتى لو لم يكن كذلك.

وهنا تصبح المعركة ليست في الخوادم فقط، بل في العقول.

المغرب في قلب صراع إقليمي جديد

لا يمكن قراءة هذه التسريبات بمعزل عن السياق الإقليمي والدولي. المغرب ليس دولة معزولة عن التوترات، بل يوجد في قلب منطقة تعرف تحولات كبيرة وصراعات نفوذ معقدة. في إفريقيا، المغرب يتمدد عبر الشراكات والاستثمارات والبنية الاقتصادية والديبلوماسية النشطة. وفي المقابل، هناك أطراف لا ترى في هذا الصعود خبرا جيدا، وتبحث عن نقاط ضعفه لضرب صورته ومصداقيته.

الهجوم السيبراني اليوم صار جزءا من الحرب الباردة الجديدة: لا يحتاج دبابات ولا طائرات، يكفيه حسابات مجهولة، وملفات PDF، وتسريب ذكي في توقيت انتخابي أو اقتصادي أو دبلوماسي حساس. والهدف ليس دائما سرقة “السر”، بل صناعة قصة تقول للعالم: هذا البلد لا يحمي نفسه… فكيف سيحمي شركاءه؟

وهنا نتذكر أن “حرب المعلومات” لا تعترف بالحدود. قد يأتيك الضغط من خصم تقليدي، أو من جهة تبحث عن نفوذ، أو حتى من مجموعات تعيش على الابتزاز والربح. النتيجة نفسها: الدولة تتلقى الضربة، والمواطن يدفع ثمن الخوف.

المواطن هو الخاسر الأول

وسط كل هذا النقاش، غالبا ما يتم نسيان النقطة الأهم: المواطن ليس مجرد متفرج. المواطن هو الطرف الذي قد يدفع الثمن مباشرة. لأن التسريب، سواء كان حقيقيا أو مضللا، يخلق بيئة مثالية لجرائم رقمية واقعية: الاحتيال، الابتزاز، انتحال الهوية، والاصطياد عبر الرسائل المزيفة.

المواطن حين يسمع أن “وثائق خرجت” يبدأ في الشك: هل يمكن أن تُستعمل معطياتي ضدي؟ هل يمكن أن يفتح أحد حسابا باسمي؟ هل يمكن أن أتلقى مكالمة فيها تهديد أو نصب؟ هل يمكن أن يطلبوا مني “تأكيد المعلومات” ثم يسحبونني إلى فخ؟

هذه ليست مخاوف مبالغ فيها. هذه هي طبيعة المرحلة الجديدة: التسريب لا يخيف فقط، بل يفتح فرصًا للجرائم. ولذلك فإن مسؤولية الدولة ليست فقط نفي الاختراق أو تأكيده، بل حماية الناس من تبعاته، بتواصل واضح وتحذيرات عملية ومتابعة أمنية وقانونية صارمة.

ما الذي يجب أن يتغير فعلا؟

القضية هنا ليست أن المغرب “ضعيف” أو “قوي”. القضية أن العالم كله أصبح معرضا للهجمات، لكن الفرق بين دولة وأخرى هو كيف تتعامل معها: هل تشرح؟ هل تعترف؟ هل تصلح؟ هل تحاسب؟ هل تحمي المواطن؟ هل تحول الأزمة إلى فرصة لتقوية المنظومة؟

الدولة التي تريد فعلا بناء إدارة رقمية حديثة، لا يكفي أن تطلق منصات وخدمات، بل يجب أن تملك آلية مؤسساتية ثابتة للتعامل مع الأزمات السيبرانية: تقارير واضحة للرأي العام، تواصل استباقي، تحديد المسؤوليات، إشراك خبرات مستقلة، وتطوير البنية القانونية لحماية المعطيات الشخصية.

لأن المشكلة الأكبر ليست أن التسريب يحدث، بل أن الثقة تنهار عند أول عاصفة.

المعركة على الثقة… ومن يربحها يربح كل شيء

ربما السؤال الحقيقي ليس فقط: هل الوثائق حقيقية أم مزورة؟
بل: كيف نتعامل كمجتمع ودولة مع أي تسريب رقمي؟

هل نكتفي بالتكذيب؟ أم نعزز الشفافية ونستثمر في التواصل ونشرح للرأي العام الفرق بين اختراق تقني فعلي وبين تضليل رقمي ممنهج؟

في زمن الحروب السيبرانية، الحقيقة وحدها لا تكفي. الطريقة التي تُقدم بها الحقيقة هي ما يصنع الفرق. والدولة التي لا تتواصل بوضوح تترك الساحة للضجيج، والضجيج حين يسيطر يصبح أقوى من أي حقيقة لاحقة.

في النهاية، قد تكون هناك اختراقات جزئية وقد تكون هناك حملة تضليل واسعة. لكن المؤكد أن الهدف الأول هو ضرب الثقة. ومن يربح في هذه الحرب ليس فقط من يخترق الخوادم، بل من يخترق عقول الناس ويقنعهم بأن دولتهم عاجزة عن حماية نفسها… وعن حماية مواطنيها.

سفيان بلعروس

توقيع
0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
مباشر تبليغ
انضم للديسكورد