
في المغرب، كاين لحظات كتجي فيها العدالة ماشي غير كمؤسسة كتطبق النصوص، ولكن كقوة كتعاود ترسم الحدود بين الحق والسلطة، بين الفرد والتنظيم، وبين المواطن والدولة. وقرارات محكمة النقض اللي صدرت السنة الماضية كتقدر نقراوها بهاد المعنى بالضبط، لأنها ماشي مجرد أحكام تقنية جاية من فوق، بل إشارات قوية بأن القضاء قادر، إلى كان مستقل ومتشبث بدورو، يخلق توازن داخل مجتمع كيعيش ضغط اقتصادي، توتر سياسي، وتحولات اجتماعية كتخلي “الحق” كيبان مرات كثيرة بحال شي حلم بعيد.
اللافت فهاد الاجتهادات أنها كتقربنا من واحد الفكرة مركزية: القانون ما خاصوش يبقى مجرد عصا كتضرب الضعيف، ولا ورقة كتستعملها الجهات القوية باش تبرر السيطرة، بل خاصو يكون ضمانة. وهاد الضمانة كتبان ملي كنشوفو قرارات كتحمي الأجير، كترد الاعتبار للزوجة، وكتحدد شروط مخاصمة القضاة، وكأن المحكمة كتقول بطريقة غير مباشرة: ماشي كلشي مباح، وماشي كلشي قابل للتأويل على حساب اللي عندو النفوذ.
القرار اللي كيخص العضو الجماعي اللي وقع خلاف بينو وبين الحزب ديالو مهم بزاف، حيت كيرجعنا لسؤال عميق: شكون كيمتلك الشرعية؟ واش الحزب اللي عطى التزكية كيمتلك الحق يسحب الصفة السياسية من المنتخب فقط حيت قال رأيو ولا خرج على “الخط التنظيمي”؟ ولا الشرعية كتجي من الناخبين ومن حرية التعبير ومن فكرة أن المنتخب راه ماشي موظف عند الحزب؟ محكمة النقض فهاد الملف كانت واضحة: مجرد تصريحات إعلامية، مهما كانت مزعجة للحزب، ما كتساويش التخلي عن الانتماء الحزبي، وماشي مدخل قانوني باش تتطبق عقوبات بحال التجريد. وهنا كتخرج رسالة سياسية قوية: ما يمكنش نحولو الأحزاب إلى محاكم داخلية كتعدم الأصوات المختلفة، وما يمكنش ننتقمو من الرأي بحجة الانضباط.
هاد النقطة بالتحديد كتلمس جوهر الديمقراطية المحلية فالمغرب، لأن المجالس الجماعية راه فيها ناس كيخدمو وسط ضغط كبير ديال اللوبيات والولاءات والانضباط الحزبي، وكيجي وقت كيتطلب منهم يا إما يسكتو يا إما يخلصو الثمن. فاش القضاء كيرفع الحماية على حرية التعبير داخل المجال السياسي، راه كيخلق مساحة صغيرة ولكن مهمة ضد عقلية “التأديب” اللي كتعيشها السياسة عندنا.
وفنفس الوقت، محكمة النقض ما كانتش كتوزع الحماية بشكل رومانسي. فملفات الشغل مثلا، القرار اللي اعتبر خرق أمن المعلومة والمعطيات الشخصية خطأ جسيم كيبين أن المحكمة كتربط الحق بالمسؤولية. الأجير عندو حقوق، نعم، ولكن حتى المؤسسة عندها الحق تحمي أنظمتها ومعطياتها، خصوصا فزمن اللي ولى فيه التلاعب بالمعلومات، والاحتيال الرقمي، والوصول غير المشروع للبيانات، كيسبب أضرار كبيرة. يعني القضاء هنا ماشي ضد المشغل ولا ضد الأجير، بل كيحاول يضبط العلاقة على أساس واضح: الحقوق ما كتلغيش الالتزامات، والالتزامات ما كتقتلش الحقوق.
ومن جهة أخرى، تأكيد حق الأجير فالحصول على شهادة العمل كلما طلبها، حتى قبل نهاية علاقة الشغل، كيبان بسيط، ولكن فواقع المغرب راه هاد الورقة الصغيرة كتساوي المستقبل. كاين ناس كيتعطلو غير حيث المشغل كيستعمل شهادة العمل كوسيلة ضغط أو انتقام أو مساومة. منين القضاء كيحسم أن هاد الحق ثابت، راه كيعطي للأجير أداة لحماية مسارو، وكيقلل من التحكم اللي كيوقع داخل سوق الشغل، خصوصا فبلاد كيولي فيها العمل المؤقت والهشاشة القاعدة أكثر من الاستثناء.
وفي المجال الأسري، كاينة واحد الجرأة القضائية اللي خاصها تتقرا بعمق. قرار التعويض “جبرا للضرر” للمولود الناتج عن علاقة غير شرعية، فحالة اللي ما كاينش فيها رضا، كيعكس تحول مهم فالفهم الحقوقي: حتى إلى ما كاينش نفس الإطار التقليدي ديال النسب والنفقة، راه كاين ضرر وقع، وكاين إنسان ما خاصوش يخلص ثمن خطأ ما داروش. هاد القرار كيبين أن القضاء كيبدا يدير توازن بين نصوص كتجي من تاريخ اجتماعي معين، وبين واقع اليوم اللي فيه ضحايا خاصهم حماية، ماشي عقاب إضافي.
ونفس النفس كيبان فقرار تعويض الزوجة اللي كانت كتخدم فمصنع الزوج وكتعلم الأجيرات بلا أجر. هادي راه قصة مغربية كلاسيكية: زوجة كتشتغل كتعاون، كتدير مجهود يومي، ولكن فالوثائق الرسمية ما كاينش. ومنين كيوقع الطلاق ولا النزاع، كتلقى راسها كأنها ما كانتش. فاش القضاء كيعتبر هاد المساهمة جزء من تنمية أموال الأسرة، راه كيصحح واحد الظلم التاريخي اللي كيتدار باسم “الواجب” و“التضحية” و“النية”. المحكمة هنا كتقول بصوت قانوني: العمل غير المؤدى داخل الأسرة ماشي فراغ، راه قيمة اقتصادية واجتماعية، وخاصو يتحسب.
وفي ملف الحضانة، القرار اللي شدد على ضرورة مراعاة مصلحة المحضون فوق كلشي، كيبين أن القضاء ما بغاوش يخلي النزاعات ديال الكبار تقتل مصلحة الصغار. إسقاط الحضانة بسبب “تحايل” على الزيارة، بلا ما يكون بحث حقيقي فالمصلحة الفضلى، كيعني أن الحكم يقدر يكون قاسي وغير عادل. ومنين النقض كيرجع هاد الباب للمراجعة، راه كيأكد أن الحضانة ماشي عقوبة، وأن الطفل ماشي ورقة فالصراع.
أما الجزء اللي كيهم مخاصمة القضاة فهو درس مهم فحدود النقد والمسؤولية فدولة كتقول أنها دولة مؤسسات. محكمة النقض قالت بوضوح أن حالات مخاصمة القضاة محددة حصريا، وما يمكنش نوسعوها ولا نقيسو عليها. هاد الشي كيحمي القاضي من العبث ومن تحويل المخاصمة إلى وسيلة ضغط أو انتقام من الأحكام. ولكن فالمقابل كيحط على المواطن مسؤولية الإثبات، ويذكره أن المخاصمة ماشي مجرد “غضب”، بل مسطرة قانونية عندها شروطها، وأساسها التعويض عن ضرر حقيقي.
هنا كيوصل النقاش لواحد النقطة الحساسة: كيفاش نوازنو بين حماية استقلال القضاء، وحق الناس فالمحاسبة؟ الجواب اللي كيبان فهاد الاجتهادات هو أن القضاء خاصو يكون محمي من التشهير ومن التلاعب، ولكن خاصو حتى يبقى قابل للمساءلة داخل شروط واضحة وماشي داخل فوضى. لأن العدالة كتسقط فاش كتولي ضعيفة أمام الضغط، وكتسقط حتى فاش كتولي محصنة أكثر من اللازم ومسدودة على النقد.
وإذا زدنا القرار الجنائي اللي كيهضر على استغلال النفوذ وتقادم هاد الجريمة من تاريخ اكتشافها، كنفهمو أن النقض كيعترف بطبيعة الفساد فالمغرب: جرائم كتدار فالصمت، بوسائل كتخبي، وبقوة نفوذ كتمنع الناس يعرفو الحقيقة. بمعنى أن القانون إلى بقى خاضع للتقادم العادي، كيولي كيخدم المجرم أكثر مما كيحمي الضحية. ومنين المحكمة كتوسع الفهم ديال التقادم فجرائم النفوذ، راه كتفتح باب باش الفساد مايبقاش كيربح بالوقت.
هاد الاجتهادات كلها كتخلينا نخرجوا بخلاصة وحدة: العدالة فالمغرب كتقدر تكون جدار حماية اجتماعية وسياسية، ولكن بشرط واحد، وهو أن هاد الاجتهادات ما تبقاش غير قرارات معزولة كتتحط فالأرشيف، خاصها تولي ثقافة قضائية مستقرة، وتتحول إلى ممارسة يومية كتبدل ميزان القوة بين المواطن والسلطة، وبين الضعيف والقوي.
لأن المواطن المغربي ما محتاجش غير خطب على دولة الحق والقانون، محتاج يحس بها فحياتو: فخدمتو، فدارو، فحريتو فالكلام، فحقو فالسكن، فكرامتو داخل الإدارة، وفالإحساس أن القانون ماشي سيف فوق راسو فقط، بل درع حتى هو كيقدر يحتمي به.
والأهم من كل هذا، أن هاد القرارات كتأكد أن المعركة الحقيقية ماشي مع النصوص فقط، بل مع التطبيق. حيث ممكن يكون عندك دستور وقوانين، ولكن إذا كان التنفيذ ضعيف، ولا إذا كانت المؤسسات كتشتغل بمنطق النفوذ، راه حتى أرقى النصوص غادي تبقى حبر على ورق. وحين كيجي القضاء وكيحاول يرفع المستوى، كيولي السؤال السياسي العميق هو: واش غادي نسمحو للعدالة تكمل طريقها، ولا غادي نبقاو نديرو منها زينة مؤسساتية كتظهر غير فالكلام؟
الجواب، فالأخير، ماشي عند المحكمة بوحدها. عند الدولة كاملة، عند الأحزاب، عند الإعلام، وعند المجتمع اللي خاصو يطالب بالحق بلا خوف، وبالقانون بلا مزايدات، وبالعدالة بلا انتقائية. لأن العدالة، فبلاد كتعيش ضغط اجتماعي كبير، ماشي ترف… العدالة هي الشرط الأول باش الوطن يبقى قابل للسكن.
بنبركة

