الافتتاحية

بريتوريا تنفّذ أجندة الجزائر

البوليساريو“سفير” في إفريقيا… وابتزاز رسمي للمغرب باسم الوهم

ليس كل موقف دبلوماسي “اختلافًا في الرأي”. بعض المواقف إعلان حرب بربطة عنق. وما فعلته جنوب إفريقيا باستقبال ما يسمى “سفير البوليساريو” ليس سلوك دولة تبحث عن حل، بل سلوك دولة تبحث عن خصم. قرار عدائي صريح، موجه ضد المغرب، وموقع بعناية داخل معركة النفوذ في إفريقيا… حيث لم تعد بريتوريا تنافس المغرب، بل تحاول عرقلته.

اليوم لم تعد جنوب إفريقيا “تساند البوليساريو” في إطار خطاب تاريخي قديم، بل أصبحت تنفذ أجندة الجزائر بشكل شبه رسمي، وتلعب دور الميكروفون الذي يرفع الضجيج كلما اقتربت القضية من الحسم السياسي الواقعي. كل تقدم مغربي داخل إفريقيا يقابله تشويش مدروس. كل اختراق دبلوماسي يقابله افتعال أزمة. وكأن الهدف ليس الدفاع عن “حق” مزعوم، بل صناعة فوضى تمنع الاستقرار من الاكتمال.

وهنا تحديدًا يبدأ العبث. جنوب إفريقيا تعرف أن البوليساريو ليست دولة. تعرف أنها لا تملك سيادة. لا تملك إقليمًا. لا تملك أهلية قانونية دولية كاملة. لا تملك اعتراف الأمم المتحدة. ومع ذلك، ترفعها إلى مستوى “سفير”. ماذا يعني هذا؟ يعني أن بريتوريا لا تناقش القانون، بل تتعمد الدوس عليه. لا تبحث عن حل، بل تبحث عن استفزاز. لا تمارس الدبلوماسية، بل تمارس الابتزاز السياسي المكشوف.

والأخطر أن هذا الابتزاز يُقدَّم باسم “الشرعية” و“الحقوق”، بينما هو في الحقيقة مجرد مسرحية رديئة تُدار من الجزائر… وتُنفَّذ من جنوب إفريقيا… وتُسوَّق للقارة بمنطق الحرب الباردة.

الجزائر لا تريد حلًا لقضية الصحراء. الجزائر تريدها ورقة ضغط، لا أكثر. تريدها أداة لفرملة المغرب، ولمنع أي توازن إقليمي جديد، ولابتزاز الرباط في كل محطة إفريقية ودولية. لهذا السبب تُبقي تندوف مفتوحة كجرح سياسي، لا كملف إنساني. ولهذا السبب تحافظ على البوليساريو كأداة، لا كمشروع “دولة”. لأن الدولة تُبنى، أما الأدوات فتُستعمل.

وما تقوم به بريتوريا اليوم هو إعادة تدوير هذا المشروع الفاشل… فقط لكي لا تعترف أن المغرب ربح المعركة داخل القارة.

هذه ليست مجرد ورقة اعتماد دبلوماسية، بل رسالة سياسية تقول: “لن نسمح للمغرب أن يتقدم بدون ثمن”. لكن السؤال الحقيقي هو: من سيؤدي الثمن؟ المغرب؟ أم إفريقيا كلها؟

لأن جنوب إفريقيا بهذه الخطوة لا تضرب المغرب فقط، بل تضرب الاتحاد الإفريقي في مصداقيته. تفتح الباب أمام سابقة خطيرة: الاعتراف الدبلوماسي بكيان غير معترف به أمميًا، واستعماله ضد دولة عضو ذات سيادة. وهذا بالضبط ما يحول القارة إلى أرض خصبة لمشاريع الانقسام، ويشعل شهية النزعات الانفصالية هنا وهناك، ثم يتساءلون لاحقًا لماذا إفريقيا لا تستقر.

بريتوريا تريد إفريقيا مرتبكة. لأن إفريقيا المستقرة لا تحتاج وصاية أحد. وإفريقيا التي تتقدم مع المغرب في الاقتصاد والشراكة والاستثمار، تسحب البساط من خطابها القديم.

ولهذا السبب، بريتوريا لم تعد تحتمل المغرب داخل الاتحاد الإفريقي. لأنها اعتادت أن تتكلم باسم القارة، أن توزع “شرعية أخلاقية” على الجميع، أن تحدد من هو المقبول ومن هو المرفوض. لكنها فوجئت بأن المغرب عاد بقوة، لا بالصراخ، بل بالنتائج: شراكات، استثمارات، حضور مؤسساتي، نفوذ واقعي… وليس شعارات حماسية للاستهلاك.

الفرق واضح: المغرب يربح بالنموذج. وهم يحاولون إيقافه بالمشاغبة.

ثم هناك جانب لا تريد بريتوريا الاعتراف به: أن مشروع البوليساريو في إفريقيا يتآكل. المعسكر يتراجع. الدعم ينكمش. والاتجاه العام يسير نحو الحل الواقعي. لذلك تحتاج هذه الأطراف إلى “صخب رمزي” مثل تعيين سفير وهمي، فقط لتقول إن المعركة ما زالت قائمة، حتى لو كانت تُخاض ضد الزمن.

لكن المغرب، مهما كان هادئًا، ليس ساذجًا. ولا يمكن أن يستمر التعامل مع هذه القرارات كأنها مجرد تفاصيل بروتوكولية. لأن هذا سلوك عدائي، والمجاملة لا توقف عداءً.

المغرب اليوم مطالب بتسمية الأشياء بأسمائها: هذا محور تقوده الجزائر وتنفذه جنوب إفريقيا داخل الاتحاد الإفريقي، ويريد تحويل قضية الصحراء إلى أداة ابتزاز دائم. ومحاربة الابتزاز لا تكون بالبيانات الباردة، بل بتجفيف مصادره سياسيًا: داخل الاتحاد الإفريقي، داخل المنظمات الدولية، وفي قلب إفريقيا الجديدة التي لا تريد أن تُدار بخطاب الوصاية.

الرسالة إلى بريتوريا يجب أن تكون بسيطة وواضحة: إذا أردتم تحويل إفريقيا إلى ساحة حرب سياسية ضد المغرب، فالمغرب ليس وحده. توازنات القارة تغيّرت. ميزان الاعتراف تغيّر. والقوة لم تعد حكرًا على من يرفع الشعارات، بل على من يصنع الوقائع.

وفي النهاية، جنوب إفريقيا حين ترفع البوليساريو إلى مستوى “سفير”، فهي لا تمنح الشرعية لكيان… بل تفضح نفسها كدولة اختارت أن تعيش داخل أوهام قديمة، وتشتغل ضد منطق الاستقرار، وتبيع لإفريقيا قصة انتهت صلاحيتها.

أما المغرب، فليس أمامه إلا مواصلة ما بدأه: تثبيت النفوذ، توسيع التحالفات، وقطع الطريق على الابتزاز… لأن الصحراء ليست ورقة تفاوض، بل سيادة، والسيادة لا تُناقَش.

حمدون القراص

توقيع
0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
مباشر تبليغ
انضم للديسكورد