اليوم تبين الرشد من الغيب وظهرت الحقيقة كالشمس في فجرٍ عجيب تساقطت الستائر عن العيون، وكأنّ الغيم قد انقشع عن القلب فمضى الذي كان يظنّ في خطواته الضوء وها هو الآن يتلمس الدرب في الظلال. كيف كانت الأنامل تكتب له في سرابٍ؟ وكيف كان الصوت في أذنه ينشد الأمل في الزيف؟ لكنه اليوم، وقد أشرقت الحقيقة، وجد نفسه بلا زادٍ، لا يحمل إلا الحيرة في جيوبه والندم ينزف من أضلعه بينما كان يظن أن السحاب يحمل له الأمطار أين كانت الأيام التي لامست فيها أحلامه القمر؟ وأين كانت الكلمات التي سُكنت قلبه؟ اليوم، يواجه نفسه في مرآةٍ قاسية ولا يجد سوى وجهٍ قد تشوهه الخيبة لكنه رغم الفقد، يشعر بشيءٍ غريب؛ شعورٍ بالتحرر، كما لو أن الفجر قد بدأ ينشق في روحه فبينما كان يمشي وراء سرابٍ، اليوم يعيد اكتشاف نفسه ويبني خطواته على أرضٍ ثابتة رغم أن جراحه تنزف، لكنه يبقى واقفاً أمام الحقيقة بصدقٍ لا يراه إلا من رأى الظلام، ثم أنارته شمس الرشد.