من لا يخاطب شعبه بلغته، لا يحكمه… بل يتحكم فيه

في المغرب، لم تعد اللغة مجرد أداة للتواصل أو اختيار بروتوكولي في افتتاح مؤتمر رسمي، بل أصبحت علامة سياسية تكشف طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتفضح كيف يُصنع القرار ولمن تُوجَّه الرسائل ومن يُستبعد من الفهم والمشاركة. لذلك، حين تقف وزيرة في حكومة يُفترض أنها تمثل المغاربة جميعًا، وتفتتح لقاءً رسميا في الرباط باللغة الفرنسية، فالمسألة لا يمكن اختزالها في “لغة مناسبة للموضوع” أو في “عرف إداري متداول”، لأن ما يقع هنا يتجاوز الشكل إلى المعنى، ويتجاوز المجاملة إلى جوهر السلطة.
المشكلة ليست في الفرنسية باعتبارها لغة عالمية يتعلمها المغاربة ويستعملونها في مجالات كثيرة، ولا أحد يطالب بتحويل النقاش إلى عداء لغوي أو انغلاق ثقافي، لكن المشكلة الحقيقية هي أن الفرنسية في المغرب لم تعد لغة معرفة فقط، بل تحولت إلى أداة نفوذ، وإلى عنوان رمزي لمن يحكم ومن يقرّر ومن يملك حق الكلام من فوق منصة الدولة. حين تُستعمل الفرنسية داخل المؤسسات كأنها اللغة الطبيعية للدولة، بينما العربية والأمازيغية تُدفعان إلى الهامش، فإن الأمر لا يتعلق بصدفة ولا بارتباك في التنظيم، بل يعكس منطقًا كاملاً يجعل لغة الشعب أقل قيمة في حضرة لغة السلطة.
وهنا تظهر الفكرة الأخطر: حين تصبح لغة الدولة غير لغة المجتمع، يبدأ نوع جديد من التفاوت يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، لأنه لا يظل تفاوتًا في الدخل أو فرص الشغل فقط، بل يتحول إلى تفاوت في الحق في الفهم، وفي الحق في المعلومة، وفي الحق في المشاركة السياسية. المواطن الذي لا يتقن لغة الإدارة يجد نفسه عمليًا خارج القرار، لا لأن كفاءته أقل ولا لأن وعيه ضعيف، بل لأنه لا يملك “الشفرة” التي تفتح أبواب الدولة، فيصبح تابعًا لوسطاء ومترجمين ومحامين ومكاتب خدمات، ويعيش علاقة غير متكافئة مع مؤسسة يُفترض أنها جاءت لخدمته لا لتعقيد حياته.
وعندما ننظر إلى هذه المفارقة من زاوية أوسع، سنكتشف أن الفرنكوفونية في المغرب ليست مجرد أثر ثقافي من الماضي، بل صارت سلطة قائمة بذاتها، تُعيد إنتاج النخبة نفسها، وتُحصّن مراكز النفوذ نفسها، وتخلق مسافة كبيرة بين الدولة والمواطن ثم تتعامل مع هذه المسافة باعتبارها أمرًا طبيعيًا لا يحتاج إلى تفسير. ولهذا فإن اللغة هنا لا تُستعمل فقط للإبلاغ، بل لتحديد من يملك حق الدخول إلى النقاش العمومي ومن يظل خارجه، ومن يُسمح له أن يفهم الدولة ومن يُطلب منه أن يصدّقها فقط.
وفي هذا السياق بالذات، يصبح الحديث عن “التحول الرقمي” مفارقة شبه ساخرة، لأن الرقمنة ليست مجرد منصات وتطبيقات وشعارات براقة، بل هي قبل ذلك حق المواطن في الولوج إلى الإدارة وفهم خدماتها واستعمالها بدون حواجز مصطنعة. فكيف يمكن الحديث عن إصلاح الإدارة ورقمنة الخدمات العمومية، بينما يتم التعامل مع اللغات الرسمية للدولة كأنها غير صالحة للمجال الرسمي، وكأن المواطن مدعوّ منذ البداية إلى التكيف مع لغة السلطة بدل أن تتكيف السلطة مع لغته؟ وكيف يمكن رفع شعار “الذكاء الاصطناعي صلب التحول الرقمي”، بينما يتم إقصاء العربية والأمازيغية من منصة يفترض أنها تمثل مغربًا دستورُه واضح في لغاته وهويته؟
الأمر هنا لا يتعلق بخطاب ثقافي رومانسي ولا بنقاش لغوي تقني، بل بقضية شرعية رمزية، لأن الدولة التي لا تخاطب مواطنيها بلغتهم، لا تطلب منهم المشاركة بقدر ما تطلب منهم الانضباط، ولا تبحث عن الإقناع بقدر ما تبحث عن إظهار الهيبة، ولا تبني الثقة بقدر ما تعمّق الفجوة ثم تستغرب لاحقًا لماذا تتراجع الثقة ولماذا يتزايد الغضب ولماذا يكبر الإحساس بالاغتراب داخل الوطن نفسه.
إن إقصاء العربية والأمازيغية في محطات رسمية متكررة ليس مجرد خطأ أو سهو، بل يبدو كأنه سياسة تُدار بهدوء، لأن الرسالة التي تصل للمغاربة مع الوقت ليست فقط أن الفرنسية تُستعمل، بل أن الفرنسية هي لغة الدولة الحقيقية، وأن العربية والأمازيغية مجرد لغات للاستهلاك الداخلي، أو للحياة اليومية، أو للاحتفال الرمزي، لا أكثر. وحين يصل المجتمع إلى هذه الخلاصة، فإن الضرر لا يكون لغويًا فقط، بل يصبح ضررًا سياسيًا لأنه يضرب فكرة المساواة في العمق ويُحوّل المواطنة إلى درجات.
لهذا، فالقضية ليست صراع لغات، بل صراع على معنى الدولة نفسها: هل الدولة ملك لكل المواطنين أم ملك لنخبة تتحكم في مفاتيحها؟ هل الدولة تخاطب الشعب بوصفه مصدر الشرعية أم تخاطبه بوصفه جمهورًا مطالبًا بالتلقي؟ وهل التحول الرقمي هو أداة لتقريب الإدارة من الناس أم مجرد واجهة جديدة لإعادة إنتاج نفس التحكم بأدوات أكثر حداثة؟
في النهاية، لا يحتاج هذا النقاش إلى كثير من التبريرات، لأن الخلاصة بسيطة وواضحة: من لا يخاطب شعبه بلغته، لا يحكمه… بل يتحكم فيه. والتحكم قد يربح الوقت مؤقتًا، لكنه يخسر الثقة على المدى الطويل، لأن الدولة التي تريد الاستقرار الحقيقي لا تبنيه بالمسافة ولا بالمفاهيم المغلقة ولا باللغة التي تُقصي، بل تبنيه بالاحترام، وبحق المواطن في أن يفهم دولته كما يفهم حياته، وبإرادة سياسية تُدرك أن السيادة تبدأ من الداخل قبل أن تُعرض في المؤتمرات.

