الجمعية المغربية لحقوق الإنسان: أحكام قاسية ضد أزيد من 1500 شاب من “جيل زد” وتراجعات تشريعية مقلقة

حذّرت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان من ما وصفته بـ”التراجعات التشريعية الخطيرة” التي يشهدها المغرب، في سياق عام يتسم، حسب بلاغها الأخير، باستمرار انتهاك الحقوق والحريات وتضييق المجال المدني، بالتوازي مع تصاعد ما اعتبرته “مجازر قضائية” طالت شباباً من “جيل زد”، حيث تم إصدار أحكام بالسجن النافذ بلغت مئات السنين في حق أكثر من 1500 شاب وشابة، بينهم راشدون وقاصرون.
وفي بلاغ صادر عن لجنتها الإدارية، عبّرت الجمعية عن استنكارها الشديد لما آلت إليه محاكمات فئات واسعة من الشباب، معتبرة أن المعايير الأساسية للمحاكمة العادلة لم تُحترم، وأن الأحكام الصادرة تعكس منطقاً عقابياً يتجاوز حدود التناسب، ويطرح أسئلة سياسية وحقوقية حول طريقة تدبير الدولة لملف الاحتجاج والتعبير والمطالب الاجتماعية، خصوصاً حين يتعلق الأمر بجيل جديد يعيش تحولات عميقة في تصوراته للعدالة والكرامة والحقوق.
وذهبت الجمعية إلى أبعد من التنديد بالأحكام، حين اعتبرت أن ما جرى “مهازل قضائية” غير مسبوقة من حيث الحجم والقسوة، مشيرة في الوقت نفسه إلى مفارقة قالت إنها تفضح اختلال مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ويتعلق الأمر باستمرار بطء التحقيق في ملف القليعة، المرتبط بمقتل مواطنين بالرصاص، حيث لا يزال الملف، حسب الجمعية، موسوماً بالإفلات من العقاب وعدم توقيف أي مشتبه فيه إلى حدود الآن.
وفي شق آخر من البلاغ، ربطت الجمعية هذه الوقائع الحقوقية بما اعتبرته “هجوماً تشريعياً” يتجسد في تمرير مشاريع قوانين تتضمن تراجعات على مستوى الضمانات والحريات. وضمن ما أشارت إليه، مشروع المسطرة الجنائية الذي قالت إنه يحمل تراجعات تمس ضمانات المحاكمة العادلة، إضافة إلى مشروع القانون التنظيمي لمجلس النواب الذي اعتبرته مقيداً للحق في التعبير بشأن تقييم الانتخابات، فضلاً عن مشروع القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، والذي أثار بدوره رفضاً داخل الجسم الصحافي.
ولم يفصل البلاغ بين هذه القوانين وبين ما تعتبره الجمعية توجهاً عاماً يسعى إلى إعادة هندسة المجال العمومي بقواعد أكثر تضييقاً، معتبرة أن قانون المالية لسنة 2026، إلى جانب مشاريع قوانين أخرى مرتبطة بالتعليم المدرسي والتعليم العالي، تعكس بدورها توجهات تؤثر على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، خصوصاً في ظل استمرار أزمات الغلاء وارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية.
وفي هذا السياق، خصّت الجمعية مشروع قانون مهنة المحاماة بانتقاد واضح، معتبرة أن الحكومة أعدته بشكل انفرادي ودون حوار حقيقي، وأنه يمثّل حلقة جديدة ضمن ما تصفه بمحاولات “التحكم والإخضاع” لمواقع المقاومة الحقوقية والمؤسسات الوسيطة. وطالبت الجمعية بسحب المشروع وفتح حوار جدي ومسؤول مع الهيئات المهنية للمحامين من أجل صياغة قانون يكرس استقلال المهنة ويعزز دورها في حماية الحقوق والحريات.
وفي المقابل، شددت الجمعية على أن التضييق لم يعد مقتصراً على النصوص القانونية، بل أصبح يطال واقع الحريات بشكل مباشر، من خلال استمرار محاكمات مواطنين بسبب تعبيرهم عن آرائهم في مواقع التواصل الاجتماعي، إضافة إلى ما اعتبرته انتهاكات متواترة للحق في التنظيم والتجمع والتظاهر السلمي، وحصاراً ممنهجاً للمجتمع المدني.
كما عبّرت الجمعية عن استغرابها من استمرار اعتقال عدد من المعتقلين السياسيين، وعلى رأسهم معتقلو حراك الريف، ونددت باعتقال مناضلين نقابيين وحقوقيين، وبحالات قالت إنها تعكس استمرار مناخ التوتر بدل بناء الثقة والانفراج، مشيرة أيضاً إلى ملفات أخرى تعتبرها نموذجاً لاستمرار الإفلات من العقاب.
ولم يغفل البلاغ الجانب الاجتماعي، حيث عبّرت الجمعية عن قلقها من تدهور أوضاع العمال والانتهاك المتكرر لحقوقهم، إضافة إلى تفاقم غلاء أسعار المواد الأساسية، واعتبرت أن ذلك يشكل مساً مباشراً بالحق في العيش الكريم والعدالة الاجتماعية، في ظل توسع الفوارق وتزايد هشاشة فئات اجتماعية واسعة.
وفي سياق الكوارث الطبيعية والبنية التحتية، حملت الجمعية الدولة مسؤولية وفيات فيضانات آسفي، وانهيارات منازل في عدد من المدن، كما نبهت إلى المعاناة المتواصلة لسكان المناطق الجبلية بسبب الثلوج وانعدام البنيات الضرورية، مما يؤدي إلى عزلة خانقة ونقص في المواد الأساسية وصعوبة الولوج إلى خدمات الصحة والتعليم، وأحياناً إلى وفيات في ظروف وصفتها بالمأساوية.
أما ملف زلزال الحوز، فقد اعتبرته الجمعية من أبرز مظاهر “الإهمال والبطء” في الاستجابة، مشيرة إلى أن عدداً من الأسر ما تزال، بعد مرور أزيد من سنتين على الكارثة، تعيش في خيام مهترئة وفي ظروف صعبة وغير إنسانية، تفاقمت مع الشتاء والبرد والأمطار، وهو ما تُرجعه الجمعية إلى اختلال السياسات العمومية وضعف الحكامة والفساد وسوء التدبير.
وفي السياق الصحي، انتقدت الجمعية ما وصفته بالتردي المتفاقم للخدمات العمومية في قطاع الصحة، والتلاعبات الخطيرة داخل قطاع الأدوية، معتبرة أن ذلك ينعكس بشكل مباشر على ارتفاع حالات الوفاة داخل المستشفيات العمومية بسبب الإهمال وغياب الحد الأدنى من شروط العلاج والاستشفاء في عدد من المناطق.
وختمت الجمعية بلاغها بالتأكيد على دعمها لمطالب عدد من الحركات الاحتجاجية الاجتماعية، مشيرة إلى ملف فكيك المرتبط بخوصصة مياه الواحة، كما دقت ناقوس الخطر بشأن وضعية حقوق النساء التي قالت إنها تعرف تراجعاً تشريعياً وواقعياً في ظل تنامي العنف، إضافة إلى العنف المتزايد ضد الأطفال وعجز الدولة عن توفير الحماية اللازمة، إلى جانب استمرار فواجع مرتبطة بسياسات الهجرة المتشددة.
وبين الأحكام القاسية، والتوتر التشريعي، وتراجع منسوب الثقة الاجتماعية، يفتح بلاغ الجمعية المغربية لحقوق الإنسان نقاشاً عريضاً حول اتجاه السياسات العمومية في المغرب: هل تسير نحو توسيع ضمانات الدولة الحقوقية والديمقراطية، أم نحو إعادة ضبط المجال العام بمنطق أكثر صرامة وأقل استيعاباً لمطالب مجتمع يتغير بسرعة؟

