الافتتاحية

الوثيقة المرجعية لحركة جيل 212

لثروة المشتركة أساس الرفاه المشترك

تنبع حركة جيل 212 من قناعة بسيطة وعميقة في آن واحد: أن المغرب ليس بلدًا فقيرًا، بل بلد أُفقر بنموذج اختلّت فيه العلاقة بين الثروة والمجتمع. إن ما نعيشه اليوم من فوارق اجتماعية، وهشاشة مجالية، وانسداد أفق أمام الشباب، لا يمكن فصله عن الطريقة التي تُدار بها الثروات الوطنية، وفي مقدمتها الثروات المعدنية التي تُصنَّف عالميًا ضمن المعادن الحرجة والاستراتيجية.

المغرب يمتلك موارد طبيعية تجعل منه فاعلًا مركزيًا في الاقتصاد العالمي المعاصر، من الفوسفات الذي يقوم عليه الأمن الغذائي العالمي، إلى الكوبالت والنحاس والمنغنيز المرتبطة بالتحول الطاقي والصناعات المستقبلية. غير أن هذه المكانة لم تُترجم إلى رفاه اجتماعي، ولم تُفضِ إلى تقليص الفوارق، بل على العكس، تَجاوَرَت الثروة مع التهميش، وتعايشت الوفرة مع الحرمان، خصوصًا في المناطق التي تُنتج هذه الثروات.

من هذا الواقع، تنطلق حركة جيل 212 في صياغة تصور بديل، لا يرى في الثروة مجرد مورد اقتصادي، بل حقًا جماعيًا، ولا يعتبر التنمية مجرد أرقام في التقارير، بل قدرة المجتمع على ضمان العيش الكريم لجميع أفراده. إننا نؤمن أن أي حديث عن السيادة أو الاستقرار أو المستقبل، يفقد معناه إذا لم يُبنَ على عدالة اجتماعية حقيقية، وعلى توزيع منصف للقيمة المضافة.

إن جوهر الإشكال القائم اليوم لا يكمن في غياب الموارد، بل في نموذج اقتصادي يقوم على الاستخراج والتصدير، ويُنتج قيمة خارج المجتمع بدل أن يعيد ضخّها داخله. هذا النموذج حوّل مناطق بأكملها إلى فضاءات إنتاج بلا تنمية، وربط مصير آلاف الأسر بتقلبات السوق العالمية، دون حماية اجتماعية كافية، ودون أفق واضح للأجيال القادمة. وهو نموذج لم يعد قابلًا للاستمرار، لا اقتصاديًا ولا اجتماعيًا ولا أخلاقيًا.

تطرح حركة جيل 212 بديلًا يقوم على إعادة ربط الثروة بالإنسان، وعلى تحويل الموارد الطبيعية من عامل تعميق للفوارق إلى رافعة للرفاه الجماعي. هذا البديل ينطلق من مبدأ أن المناطق التي تُنتج الثروة لها حق أولي فيها، ليس كإحسان أو امتياز، بل كحق اجتماعي ومجالي. فكل استغلال للثروات يجب أن يقابله استثمار مباشر في التعليم، والصحة، والبنية التحتية، والشغل اللائق، وحماية البيئة داخل نفس المجالات الترابية.

إننا نعتبر أن الرفاه الاجتماعي لا يمكن أن يتحقق دون انتقال حقيقي من اقتصاد المواد الخام إلى اقتصاد القيمة المضافة. فتصنيع وتحويل المعادن داخل البلاد ليس خيارًا تقنيًا فقط، بل خيار اجتماعي وسيادي، لأنه يخلق فرص شغل مستقرة، ويبني كفاءات وطنية، ويُدخل المغرب في سلاسل إنتاج أكثر عدالة. إن استمرار تصدير الثروات في شكلها الخام يعني استمرار تصدير فرص الشغل، واستيراد الهشاشة.

كما تؤكد حركة جيل 212 على أن العدالة المجالية ليست شعارًا، بل سياسة عمومية ملموسة. العدالة المجالية تعني أن الفوارق بين المركز والهامش ليست قدرًا، بل نتيجة اختيارات، ويمكن تصحيحها باختيارات مضادة. لذلك، ندعو إلى آليات واضحة وشفافة لربط عائدات الثروات الطبيعية بتمويل الخدمات العمومية في المناطق المنتجة، عبر صناديق جهوية خاضعة للرقابة الديمقراطية، تضمن أن الثروة تُترجم إلى تحسين فعلي في شروط العيش.

وترى الحركة أن الديمقراطية الاقتصادية جزء لا يتجزأ من هذا البديل. لا يمكن بناء رفاه دون إشراك المواطنين في القرار، ودون شفافية في تدبير الموارد. إن إشراك الساكنة المحلية، والمجالس المنتخبة، والنقابات، والمجتمع المدني، في مراقبة الاستغلال المنجمي وتقييم أثره الاجتماعي والبيئي، هو شرط أساسي لاستعادة الثقة، ولمنع تحوّل الثروة إلى مصدر توتر دائم.

كما تضع حركة جيل 212 البعد البيئي في قلب تصورها للرفاه. فالحق في بيئة سليمة جزء من الكرامة الإنسانية، ولا يمكن تبرير تدمير البيئة باسم التنمية. إن أي استغلال للثروات يجب أن يخضع لمعايير صارمة لحماية الإنسان والطبيعة، وأن يُرفق باستثمارات حقيقية في إعادة تأهيل المناطق المتضررة، وفي الوقاية الصحية، وفي البحث العلمي.

إن هذا التصور البديل لا ينفصل عن رؤية أشمل للسيادة الاجتماعية. السيادة، في منظور جيل 212، ليست فقط تحكمًا في الحدود أو الموارد، بل قدرة المجتمع على تقرير مصير ثرواته، وعلى توجيهها لخدمة الصالح العام. سيادة تعني أن الاقتصاد في خدمة الإنسان، لا العكس، وأن النمو لا قيمة له إذا لم يُترجم إلى كرامة وعدالة.

تؤمن حركة جيل 212 أن الرفاه الاجتماعي ليس حلمًا بعيد المنال، بل إمكانية واقعية إذا توفرت الإرادة السياسية، وتم كسر منطق الريع، واعتماد نموذج تنموي يضع الإنسان في المركز. إن القضاء على الفوارق الاجتماعية لا يمر عبر الخطابات، بل عبر إعادة توزيع حقيقي للثروة، وعبر سياسات عمومية شجاعة، تعترف بأن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى بالقمع أو التهميش، بل بالعدالة والإنصاف.

بهذه الوثيقة، تُعلن حركة جيل 212 التزامها بالنضال من أجل مغرب تُقاس ثروته بحياة مواطنيه، لا بحجم صادراته فقط، ومن أجل مجتمع تكون فيه الموارد المشتركة أساسًا للرفاه المشترك، وتكون فيه التنمية فعلًا تحرريًا يفتح الأفق أمام الشباب، ويعيد الاعتبار للمجال، ويؤسس لعقد اجتماعي جديد، أكثر عدالة، وأكثر إنسانية.

توقيع
0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
مباشر تبليغ
انضم للديسكورد