لا حداد، لا محاسبة، لا حضور: أي ثقة تُطلب من المواطن؟
بين فواجع آسفي وفاس والجنوب الشرقي، يطرح الصمت الرسمي سؤالًا سياسيًا ثقيلًا: كيف تُطلب ثقة المواطن بينما تغيب الدولة عند المأساة؟

يتساءل عدد كبير من المغاربة، داخل الفضاء العمومي وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، عن سبب غياب أي إعلان رسمي عن الحداد الوطني على أرواح المواطنين الذين قضوا في فيضانات آسفي، أو ضحايا انهيار البنايتين بمدينة فاس، إضافة إلى ضحايا الفيضانات التي ضربت جماعات بإقليمي الرشيدية وتنغير. أحداث مؤلمة هزّت الرأي العام وخلّفت حزنًا واسعًا من الشمال إلى الجنوب.
الصور القادمة من وادي الشعبة بآسفي، ومن الأحياء المتضررة بفاس، ومن القرى التي جرفتها السيول في الجنوب الشرقي، لم تكن عابرة. كانت مشاهد لأناس يقاومون الموت في ظروف قاسية، ولعائلات فقدت أبناءها في لحظات، ولمواطنين وجدوا أنفسهم فجأة بلا مأوى ولا حماية. هذا الألم لم يبقَ محصورًا في المناطق المنكوبة، بل تحوّل إلى حزن جماعي شعر به المغاربة في مختلف المدن.
أمام حجم هذه المآسي، برز سؤال بسيط في شكله، لكنه عميق في معناه: لماذا لم يُعلن الحداد؟
ليس لأن الحداد إجراء شكلي، بل لأنه اعتراف رمزي بأن ما وقع ليس حادثًا عاديًا، بل فاجعة وطنية تستوجب الوقوف الجماعي، الرسمي والشعبي، لحظة صمت ومسؤولية.
في محطات سابقة، كان المغرب يعلن الحداد في مثل هذه الحالات، تعبيرًا عن التضامن مع الضحايا، وإقرارًا بثقل الخسارة الإنسانية. أما اليوم، فإن غياب هذا القرار، إلى جانب غياب زيارات ميدانية رفيعة المستوى، وغياب تواصل رسمي مباشر مع العائلات المنكوبة، خلق إحساسًا عامًا باللامبالاة، وكأن الأرواح التي فُقدت لا تستحق حتى الاعتراف الرمزي.
كثير من المواطنين لا يطالبون بخطابات مطوّلة ولا بشعارات سياسية، بل بأبسط أشكال الحضور الإنساني للدولة. حضور يواسي، ويشرح، ويعترف بالتقصير إن وُجد، ويعلن بوضوح كيف ستُجبر الأضرار، وكيف ستُعوض الأسر، وكيف ستُتخذ إجراءات تمنع تكرار هذه الفواجع.
إن عدم الإعلان عن الحداد، وعدم تقديم معطيات واضحة حول التعويضات، وعدم فتح نقاش عمومي صريح حول المسؤوليات، يطرح أسئلة مشروعة حول طريقة تدبير الكوارث، وحول موقع المواطن البسيط في سلم الاهتمامات. فالحداد ليس ضعفًا للدولة، بل تعبير عن قوتها الأخلاقية، واعترافها بقيمة الإنسان.
ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يكتسب هذا الصمت دلالة سياسية أكبر. فكيف يمكن لحكومة أن تطلب ثقة المواطنين، وهي تغيب عنهم في لحظات الفقد؟ وكيف يمكن الحديث عن برامج وانتظارات مستقبلية، بينما لم تُدار مآسي الحاضر بما يليق بحجمها؟
الثقة لا تُبنى في الحملات الانتخابية فقط، بل تُبنى في الميدان، وفي الأزمات، وفي لحظات الألم الجماعي. المواطن لا ينسى من حضر عند الفاجعة، ولا من اختار الصمت والغياب. وهذه الذاكرة ستظل حاضرة في أي تقييم سياسي قادم.
ما وقع في آسفي وفاس والجنوب الشرقي ليس مجرد كوارث طبيعية، بل لحظات كشفت هشاشة الحماية، وضعف الاستباق، وغياب التواصل. ومع كل فاجعة تمر بلا حداد ولا مساءلة، يتعمق الإحساس بأن هناك مواطنين داخل الحساب، وآخرين خارجه.
وهذا، في حد ذاته، أخطر ما يمكن أن تخلّفه الكوارث: أن يُضاف إلى فقدان الأرواح، فقدان الإحساس بالاعتراف والإنصاف.
حمدون القراص

