حكومة بلا أوحال: حين يهرب المسؤول من موقع الكارثة

في لحظات الكوارث، لا ينتظر المواطن من المسؤولين حلولاً فورية بقدر ما ينتظر حضورًا إنسانيًا وسياسيًا يؤكد أن الدولة حاضرة إلى جانبه. الحضور في هذه اللحظات ليس مسألة بروتوكول، بل تعبير عن تحمّل المسؤولية، وعن الاعتراف بمعاناة الناس وحقهم في المواكبة والدعم.
خلال فترة قصيرة، شهدت عدة مناطق مغربية أحداثًا مؤلمة، من فيضانات في آسفي والجرف بإقليم الرشيدية وتنغير، إلى فاجعة انهيار منزل بمدينة فاس. هذه الحوادث خلّفت ضحايا وخسائر مادية ومعنوية كبيرة، وخلقت حالة من الصدمة لدى الأسر المتضررة. ومع ذلك، لم يُسجَّل حضور ميداني لرئيس الحكومة أو لعدد من الوزراء المعنيين بهذه الملفات، وهو ما أثار تساؤلات مشروعة حول طريقة تعاطي السلطة التنفيذية مع مثل هذه الأزمات.
غياب المسؤولين عن مواقع الكوارث لا يمكن اختزاله في ضغط المواعيد أو كثافة الملفات، لأن هذه اللحظات بالذات هي التي تختبر معنى المسؤولية السياسية. فالنزول إلى الميدان يتيح الاطلاع المباشر على حجم الضرر، والاستماع للمتضررين، وبعث رسالة طمأنة مفادها أن الدولة لا تدير ظهرها لمواطنيها في أوقات الشدة.
يلاحظ متابعون أن الحكومة تحضر بقوة في الفضاءات المرتبطة بالاستثمار والاقتصاد واللقاءات الرسمية، لكنها تبدو أقل حضورًا عندما يتعلق الأمر بالأحياء الهشة أو المناطق المنكوبة. هذا التباين في الحضور يعمّق شعورًا متزايدًا لدى فئات واسعة بأن معاناتها لا تحظى بالاهتمام الكافي، وأن التواصل معها يتم غالبًا عبر بلاغات إدارية لا تعكس حجم الألم الذي تعيشه على الأرض.
كما يطرح هذا الغياب أسئلة حول آليات تدبير الكوارث، وفي مقدمتها تفعيل صندوق الكوارث الطبيعية، وسياسات الوقاية والتخطيط الاستباقي. فالكارثة لا تبدأ مع سقوط الأمطار أو انهيار المنازل، بل مع سنوات من الإهمال، وضعف البنية التحتية، وغياب الرؤية الواضحة لحماية الفئات الأكثر هشاشة.
ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يزداد هذا النقاش أهمية. فالثقة السياسية لا تُبنى فقط عبر البرامج والخطابات، بل من خلال المواقف العملية في اللحظات الصعبة. المواطن يتذكر من كان حاضرًا عند الفاجعة، كما يتذكر من اختار الغياب. وهذه الذاكرة تلعب دورًا حاسمًا في تقييم الأداء السياسي وفي اتخاذ القرار الانتخابي.
إن المطالب الحقوقية والمدنية بمساءلة الحكومة أو المطالبة بالتعويض ليست دعوات للتصعيد، بل تعبير عن حاجة حقيقية لإعادة الاعتبار لمفهوم المسؤولية وربطها بالفعل الميداني. فالكوارث الطبيعية قد تكون خارجة عن إرادة الإنسان، لكن طريقة تدبيرها، والحضور أو الغياب خلالها، تبقى اختيارات سياسية واضحة.
حين تغيب الحكومة عن موقع الكارثة، لا يقتصر الأثر على لحظة الأزمة فقط، بل يمتد ليؤثر في علاقة الثقة بين الدولة والمجتمع. وهذه الثقة، حين تتصدع، تحتاج إلى وقت وجهد كبيرين لإعادة بنائها، خاصة في سياق اجتماعي يزداد فيه الإحساس بالهشاشة وعدم الأمان.

