العدالة أولاحقوق وحريات

حين تُفرغ الانتخابات من معناها باسم القانون

ليست أخطر ما تواجهه الديمقراطية هو غياب الانتخابات، بل أن تُنظَّم انتخابات شكلية تُفرَّغ من معناها الحقيقي باسم القانون. حين يتحول التشريع من أداة لتنظيم التنافس السياسي وضمان النزاهة، إلى درع يحمي المتنفذين من المساءلة، تصبح الانتخابات مجرد طقس دوري لإعادة إنتاج نفس موازين القوة.

التحذيرات التي أطلقها محمد الغلوسي بشأن ما سماه “تحصين الفساد تشريعياً” لا تأتي في فراغ، بل في سياق سياسي حساس يتسم بالتحضير لاستحقاقات انتخابية جديدة، وسط أزمة ثقة عميقة بين المواطن والمؤسسات. فالمسار الذي بدأ بتقييد دور النيابة العامة في تحريك ملفات المال العام، ثم مرّ عبر التضييق على الصحافة المستقلة، يصل اليوم إلى قلب العملية الانتخابية نفسها، عبر مشاريع قوانين يُخشى أن تُغلِق باب الطعن والمساءلة.

الانتخابات، في جوهرها، لحظة محاسبة شعبية. لكن كيف يمكن للمواطن أن يُحاسب، إذا كان القضاء مقيَّداً، والإعلام مُدجَّناً، والقانون مُفصَّلاً على مقاس شبكات النفوذ؟ وكيف يمكن الحديث عن تنافس حر، إذا جرى تجفيف الفضاء السياسي من الأصوات الناقدة بدعوى “محاربة الفوضى” أو “حماية الاستقرار”؟

الأخطر في هذا المسار أنه يُلبَس لباس الشرعية القانونية. فبدل القمع المباشر، يتم استعمال النصوص، والمقتضيات، والمساطر، لإفراغ السياسة من مضمونها، وتحويلها إلى إدارة تقنية بلا روح. وهنا لا يعود القانون ضمانة للحقوق، بل وسيلة لإعادة ترتيب السيطرة.

إن انتخابات بلا رقابة حقيقية، وبلا إعلام حر، وبلا قضاء قادر على التحرك، لا يمكن أن تنتج تمثيلاً ديمقراطياً، مهما كانت نسب المشاركة أو جمال الخطاب الرسمي. إنها فقط تعمّق الهوة بين الدولة والمجتمع، وتكرّس العزوف، وتحوّل السياسة إلى مجال مغلق على فئة محدودة.

حين تُفرغ الانتخابات من معناها باسم القانون، لا يُضرَب فقط مبدأ المحاسبة، بل يُقوَّض الأمل في التغيير السلمي. والتاريخ يعلّمنا أن المجتمعات التي يُغلَق فيها أفق الإصلاح الديمقراطي، تبحث دائماً عن منافذ أخرى للتعبير، قد تكون أكثر كلفة على الجميع.

توقيع
0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
مباشر تبليغ
انضم للديسكورد