حكايات من الزنقة: مواطنون يقاومون يومياً بلا سند

في شوارع المغرب، حيث تتقاطع الوجوه وتتحرك الخطوات فوق إسفلت يختزن آلاف القصص، يعيش الناس معركة يومية لا يسمعها أحد. معركة بلا شعارات، بلا كاميرات، بلا منصة سياسية تتحدث باسمهم. هنا، في الزنقة، تُكتب الحقيقة بصوت مرتفع، وتُهمَل بقرارات صامتة.
كل صباح، يبدأ الوطن من جديد فوق أكتاف الناس البسطاء؛ نساء يحملن السلال، رجال يدفعون العربات، شباب يتقاسمون الأمل والخيبة، وجوه أنهكها الغلاء لكنها ما زالت تبتسم بالقوة، لا بالراحة.
في الزنقة، لا يوجد “برنامج حكومي”… يوجد انتظار. لا يوجد “إصلاح”… يوجد صبر. لا توجد “خطابات”… يوجد شحال من واحد كيدير جهده باش يعيش.
في محطة الطوبيس، وقف ياسين، طالب جامعي يعمل ليلاً في مقهى كي يكمل مصاريف دراسته. قال بصوت خافت: “الدراسة ولاّت قتال… كتقاتل باش تقرا، وكتقاتل باش تخدم، وكتقاتل باش توصل.”
ياسين ليس حالة معزولة؛ هو واحد من جيل كامل يقاوم الانهيار بقدرات فردية، بينما تغيب أي يد تمتد لمساعدته.

وفي سوق شعبي قريب، امرأة خمسينية تدعى خديجة تبيع الخضر تحت شمس لا ترحم. تقول: “أنا اللي كنصرف على الدراري… الدولة ما كتسولش فيّ، والغلاء كيسبقنا نهار على نهار.”
خديجة ليست مجرد بائعة؛ هي مدرسة في الصبر، نموذج لنساء يتحملن ما لا يجب أن يتحملوه، ويقفن وسط الفوضى لأنهن لا يملكن ترف التوقف.
وفي ورشة حدادة صغيرة، يشتغل عبد القادر منذ 20 سنة. يضحك بمرارة حين يقول: “كنخلص الضو والماء بزاف… ولكن حقي فالتطبيب ما عنديش.”
يشتغل، يدفع الضرائب، يعيش وسط الخطر، ولا يجد مكاناً آمناً إذا مرض أو تألم. كيف يمكن لمواطن أن يشعر بالانتماء لوطن لا يشعر بألمه؟
حنين، شابة من حي شعبي، تعمل في صالون تجميل بأجر زهيد. تحكي: “الحياة غلات علينا… ولكن واخا كلشي، باقي كنحلم بشي مستقبل.”
حلم بسيط، لكنه يبدو بعيداً في بلد تزداد فيه الفوارق، ويضيق فيه الأفق على شباب يبحثون عن فرصة حياة لا عن ورقة مغادرة.
وسط هذه الأصوات المتعبة، هناك واقع أشد قسوة:
آباء لا يستطيعون شراء الأدوية، أمهات يخشين بداية الدراسة لأنها تعني مصاريف جديدة، شباب ينامون وفي صدورهم سؤال واحد: “واش غدا غادي يكون حسن؟”
لكن رغم ذلك، الزنقة ما كتسلمش.
الناس يقاومون.
يقفون حين يسقط كل شيء، يتقاسمون ما يملكون، يساعدون بعضهم بصمت، ويستمرون في الحياة وكأنهم جيش غير مرئي يحمي البلاد من الانهيار.
المشكل ليس في قوة الناس… بل في غياب السند. ليس في قدرتهم على الصبر… بل في أن الصبر لم يعد استراتيجية. ليس في إرادتهم الفردية… بل في أن المؤسسات تُدير ظهرها لهم، وتنتج سياسات لا تراعي حياة الشارع، وكأن المواطنين مجرد أرقام في تقارير لا تعكس وجوههم.
هذه الحكايات ليست استثناءً… بل القاعدة.
هي جزء من نبض شارع يقول كل يوم: “إحنا هنا… لكن ما كاين اللي شايفنا.”
ففي الوقت الذي يجلس فيه المسؤولون في مكاتب مكيفة يناقشون “الرؤية المستقبلية”، يعيش المواطن المستقبل يومياً… في الزنقة، في الانتظار، في الصبر، في الهامش.
حكايات الناس لا تحتاج إلى خطاب سياسي… بل إلى دولة تفتح أعينها.
إلى مؤسسات تمشي خطوة نحو المواطن، قبل أن تطلب منه أن يثق.
إلى سياسات تحترم الإنسان قبل المشاريع.
إلى وطن يرى مواطنيه… لا فقط ملفاتهم.
لأن الشارع اليوم لا يطلب المستحيل.
الشارع يطلب شيئاً بسيطاً:
أن يعيش الناس بكرامة…
وألّا يبقوا وحدهم في معركة الحياة.


شكرا