المغرب الذي نريده: دولة تستمع… قبل أن تأمر

حين يتحدث المغاربة عن “المغرب الذي نريد”، فهم لا يرسمون حلماً خيالياً ولا مدينة فاضلة. إنهم ببساطة يصفون واقعاً ممكناً… بل واقعاً يستحقونه. بلداً تتوقف فيه الأعذار، وترتفع فيه الكرامة فوق كل شيء، ويُصبح قول الحقيقة بداية الإصلاح لا نهايته.
المغرب الذي يريده الناس هو بلد لا يخفي أزماته خلف لغة خشبية، ولا يجمّل واقعاً يعرفه الجميع. بلد يعترف بأن التعليم يعيش أزمة خانقة… فيختار الإصلاح الجذري بدل الترقيع الموسمي. يعترف بأن المنظومة الصحية تنهار… فيبني نظاماً يحترم الإنسان قبل المرض، ولا يتركه ينتظر على كرسي بلا اسم وبلا حق. بلد يعترف بأن الشباب يعيشون انسداداً… فيفتح أمامهم باب الحياة، لا باب المغادرة.
المغاربة لا يريدون معجزات، بل دولة لا يُضطر فيها المواطن للبحث عن “معرفة” كي ينهي وثيقة بسيطة، ولا يحتاج فيها إلى “واسطة” كي تُسمع شكواه، ولا يعتمد فيها على “الحظ” كي يحصل على حق من حقوقه. دولة تُقاس كفاءتها بخدمة المواطن، لا بحجم الميزانيات أو عدد الخطابات.

وفي هذا المغرب الممكن، تكون العدالة هي المدخل الأول لكل إصلاح. لا أحد فوق القانون، ولا مسؤول محصّن ضد المحاسبة، ولا ملف يُغلق لأنه “محسوب على أحد”. لأن الدولة التي تتسامح مع الفساد، تُعاقب المواطن مرتين: حين يظلم، وحين يرى الظلم يُكافأ.
المغرب الذي يريده الناس ليس ضد السلطة، ولا ضد الاستقرار، بل هو شريك فيهما. الناس يريدون دولة قوية… لكن عادلة. دولة تستمع قبل أن تقرر، وتشرح قبل أن تفرض، وتفتح الباب للمشاركة بدل الاكتفاء بالواجهة.
وهو أيضاً مغرب متصالح مع هويته: الأمازيغية بعمقها، العربية بتاريخها، الإسلام بقيمه، والحداثة بروحها. هوية ليست خصماً لأحد، ولا قنبلة انقسام، بل مصدر قوة ووضوح.
أما الطريق نحو هذا المغرب، فهو يبدأ بالإرادة: إرادة المسؤول كي يواجه المصالح العميقة، وإرادة المواطن كي يشارك ويحاسب، وإرادة المجتمع كي يتجاوز الانقسامات السطحية. المغرب الذي نريده ليس حلماً… إنه موجود في التفاصيل البسيطة: في أستاذ يدرّس رغم التعب، في ممرضة تُساعد رغم الاكتظاظ، في شاب يحارب اليأس، في مواطن يرفض الرشوة، وفي دولة تقرر أن الإصلاح يبدأ الآن… لا في “الأفق القريب”.
هذا هو المغرب الممكن. المغرب الذي يشبه الناس… ويحترمهم. المغرب الذي يضع الإنسان أولاً، لا أخيراً.

