وسط الزحام… قصص مغاربة يعيشون في الهامش بلا ضجيج

وسط الزحام الكبير اللي كيعمّر المدن المغربية، وسط الضوضاء، وسط الحوار اللي ما كيسمع حتى راسو، كاين عالم آخر… عالم صامت، كيعيش فيه ناس بزاف، ولكن قلّما كيحسّ بهم شي واحد. ناس كيدوزو حدانا كل نهار، ولكن ما كيبانوش، بحال لو أن البلاد تعلمت تشوف غير اللي كيهضر، ونسات تشوف اللي ساكت. المغرب اللي نعرفوه هو المغرب ديال الحركة والصخب، ولكن المغرب اللي كيتخبّى وسط الزحام هو مغرب الهامش… مغرب الناس اللي كيعيشو بلا ضجيج.
اللي ما كيعرفش هذا المغرب، يكفي يمشي فالصباح الباكر لشي مدينة كبيرة. غادي يشوف نساء كيقومو قبل الفجر، كيحطو السلعة ديالهم على الأرض، وكيسدو المسافة بين الحاجة والصبر. كتشوفهم كيديرو بحال جيش صغير، ولكن جيش بلا صوت، كيحتاج غير نهار بلا مطر باش ما يخسرش قوتو. كتشوف رجال كبار فالسن كيجرّو عربات ثقيلة، كيشدو الأنفاس بصعوبة ولكن كيبقاو مستمرين. كتشوف شباب كيبيعو أشياء بسيطة، ولكن داخلهم أكبر من السلعة اللي بين يديهم.
اللي كيعيشو فالهامش ماشي قلة. هما كثير، ولكن المجتمع كيدير عليهم “بلور خفي”. ما كيبانوش فالأخبار، ما كيتصوّروش فالإعلانات، ما كيجاوش لخطابات الإصلاح. كيبانو غير فالأماكن اللي ما كيدوز منها حتى واحد إلا لضرورة: فالبناء، فالمعامل الصغيرة، فالسويقات، فالورشات، فالطرامواي اللي فيه الكل ولكن كل واحد فيه بوحدو.
كل واحد فيهم عندو قصة، ولكن ما كاين حتى من يسمعها.
واحد منهم أم تقف كل نهار فالسوق تبيع الخضر. كتضحك مع الزبناء، ولكن فوسط قلبها كاين همّ كبير كتخبيه. كتسول الله غير الصحة لأولادها، وبأن الشهر يمرّ بلا مفاجآت. عندها يد متشققة من الماء البارد، وصوت مبحوح من الصباح، ولكن عندها كرامة كبيرة كتمنعها تطلب.
هذه السيدة بحال آلاف، ولكن شكون اللي يشوفها؟
شاب آخر كيدوز نهارو كيهز صناديق، وليلُو فغرفة صغيرة ما كتدخلها الشمس. عندو حلم بسيط: يدير مشروع صغير، ولكن كل ما كيقرّب، كتجي الفاتورة، الكراء، الأزمة، والقروض اللي ما كاترحمش.
كيضحك بزاف، ولكن الضحكة كتخبي تعب السنين.
هو وجه من وجوه المغاربة اللي ما تسجلو فحتى إحصاء.
وفاش كتقابل رجل كبير كيبيع المناديل فالإشارة، كتعرف أن الهامش ماشي اختيار، ولكن نتيجة مسار طويل ديال التهميش. رجل عاش حياة كاملة، وهاهو فآخر العمر كيرجع للصفر. كيشوف السيارات كتدوز، والناس كتجري، والحياة كتدور، ولكن حياته واقفة بين يديه… فباكية صغيرة.
وسط الزحام، هاد الناس ما كيحتاجوش شفقة. كيحتاجو اعتراف. كيحتاجو اللي يسمع قصتهم بلا ما يحكم. كيحتاجو سياسات كتفكر فيهم، ماشي غير فالأرقام اللي كيتقدّمو فالتقارير الدولية.
كيحتاجو الدولة توقف وتسول رأسها: كيفاش ممكن يكون هاد الكم الهائل من الناس عايش بلا صوت؟
المغرب اللي كيبان فالشاشة هو مغرب المشاريع الكبيرة، الطرق، الأبراج، المؤتمرات. ولكن المغرب اللي كيتحرك فالصمت هو اللي كيدير الاستقرار. هو اللي كيعمر الشوارع، ويخيط الملابس، ويحفر الطرق، ويخدم فالليل باش بلاد كاملة تنوّض فالصباح وتلقا كلشي واجد.
ومع ذلك، يبقى فالهامش.
وسط الزحام، ما خاصناش نضيعو القصص الصغيرة. لأنها هي اللي كتعطي المعنى الكبير.
وإذا بغينا نفهم المغرب فعلاً، خاصنا نسمعو للناس اللي ما كيهضروش بزاف، لأنهم هما اللي شايلين البلاد بلا ضجيج…
بلا اعتراف…
ولكن بقلب كبير.

